(الفلسفة وقضايا…) ج١
غازي الصوراني _ الحوار المتمدن
الفلسفة ليست حب الحكمة فحسب، بل هي بالدرجة الأولى حب المعرفة والارتقاء بها، وهي قبل كل شئ إبداع فردي مرتبط بالظروف الموضوعية المحيطة بهذا الفيلسوف أو ذاك، يُعبر عن رؤيته التي تؤسس لمعرفة جديده تحمل في طياتها موقفه تجاه الظواهر الطبيعية والأحداث السياسية والاجتماعية من حوله، ذلك هو معنى البحث عن الحكمة والمعرفة وجوهره، الذي كان –وما زال- صيرورة مستمرة منذ ظهور الفلسفة لدى الاغريق في القرن السادس قبل الميلاد إلى يومنا هذا.
” لكن ما هي الحكمة ؟ وهل هي المعرفة ؟ إنهما جوهر واحد، إذ لا يمكن فصل الحكمة عن المعرفة أو عن نوع معين من أنواع المعرفة، هذا ما أكد عليه سقراط وأفلاطون وفلاسفة اليونان، كما أكد عليه ديكارت وسبينوزا وكانط وغيرهم من الفلاسفه، لكن الفلسفه معرفة خاصة جداً، لا يقدمها أي علم من العلوم، وذلك لأنها ليست تجريدية أو نظرية وإنما ناتجة عن اندماج الرؤية المعرفيه الكليه مع الخبرة العملية.
وبالتالي “فلكل منا حكمته الناتجة عن تجاربه الشخصية ومعاناته في الحياة، والفلسفة تساعدناعلى أن نفكر ونسأل بشكل أفضل لكي نعيش بشكل أفضل، وهذه هي الحكمة”([1]).
وإذا كان عصرنا المعولم، اليوم يتميز بشيء، فلربما بكثرة الأسئلة وتنوع ميادينها، وهي أسئلة تتداخل فيها الرؤى والمضامين الفلسفية مع النظريات والاكتشافات العلمية الهائلة التي تميز عصرنا الراهن، على الرغم من الاختلاف بين الفلسفة والعلوم التي تحتكم في منهجها –كما يقول المفكر هشام غصيب- إلى منطق برهاني اشتقاقي صارم كما الرياضيات مثلاً، وتحتكم أيضاً إلى منطق اختباري صارم كما الفيزياء مثلاً، على عكس الفلسفة التي ترتكز إلى فضاء لا نهائي من التسلسلات الفكرية اللانهائية الأفق.
نعم إن الفلسفة تبحث عن الحقيقة الكلية أو النهائية، وذلك على عكس العلوم الاختصاصية التي تبحث عن الحقائق الجزئية في مجال ما (كعلم الفيزياء، أو الكيمياء، أو الاجتماع، أو النفس، .. إلخ).
في ضوء ذلك فإن إدراكنا للمضمون الجوهري لمعنى وغايات الفلسفة عموماً والفلسفة الحديثة على وجه الخصوص، وتطبيقها على مجتمعاتنا العربية، هو إدراك منحاز لمفاهيم العقل الحداثي، والتطور والنهوض وفق قواعد وأسس المجتمع التقدمي الديمقراطي في كل قطر عربي، وذلك عبر ممارسة النقد الجذري لكل ما هو قائم، وهو نقد بمعنيين، الأول: لا يهاب استنتاجاته، والثانى لا يتراجع أمام الاصطدام بالإيديولوجيات اليمينيه والغيبية الرجعية، أو تلك التي تعبر عن المصالح الطبقية الرأسمالية للأنظمة الحاكمة، وهو أيضاً نقد لا يتراجع أمام الاصطدام بسلطات الاستبداد([2]) والقهر القائمة، لكن هذه العملية النقدية التغييرية لابد أن تبدأ من المجابهة العقلانية الديمقراطية للحالة الراهنة للفكر الفلسفي في الوطن العربي، التي تتميز بسيطرة الأفكار اليمينية بمختلف أطيافها عموماً، وخاصة الأفكار الغيبية المتخلفة التي تحرص على ترويجها الشرائح والطبقات الحاكمة والمتنفذة في إطار التحالف الكومبرادوري البيروقراطي المهيمن على الانظمة العربية، وذلك بما يتوافق مع مصالحها الطبقية من ناحية، ولتبرير تبعيتها وخضوعها للنظام الامبريالي إلى جانب تبرير مظاهر الاستبداد والاستغلال الطبقي فيها ورفضها لكافة مفاهيم وآليات التطور الديمقراطي والحريات الفردية من ناحية ثانية.
وفي مثل هذه الأوضاع، كان من الطبيعي منع تدريس الفلسفة ومنع الحريات الديمقراطية في معظم بلداننا العربية، لان التفكير الحر يخيف الطبقات الحاكمه فيها، ولذلك نلاحظ أن الفلسفة وكافة مفاهيم الحداثة ما زالت في بلداننا العربية تعاني من تخلف شديد على عدة صعد اجتماعية ومعرفية وثقافية عموماً، وتعليمية خصوصاً، كما هو مطبق في المدارس والجامعات العربية عبر برامج ومناهج شديدة التخلف مستمرة منذ عقود طويلة في تاريخنا الحديث والمعاصر، ساهمت فيما نسميه اعادة إنتاج وتجديد التخلف الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في مجتمعاتنا، بمثل ما خلقت كل المعوقات في وجه الابداع والبحث المعرفي عموماً والفلسفي بوجه خاص.
وفي هذا الجانب أشير إلى أن تلك المناهج التي كرست التخلف في مجتمعاتنا عموماً، وفي مدارسنا وجامعاتنا خصوصاً استطاعت أن تفرض على الأجيال قوالب فكرية متخلفه وجامدة بلغت ذروتها في: الحفظ دون النقد، النقل دون التجديد، الانحناء أمام ما هو مكتوب بدلاً من التفكير وامتلاك منهجية البحث العلمي.
وبالتالي فإن الحديث عن أهم عوامل التخلف الفكري في الثقافة العربية، مرتبط بصور مباشرة وغير مباشرة بالمناهج والكتب التربوية في المدارس والجامعات العربية، التي تكرس المفاهيم السلفية الشكلية من منطلق التناقض مع المفاهيم والقيم الحضارية الحديثة، خاصة قيم الاختلاف والرأي والرأي الآخر والديمقراطية والمواطنة وتعلن رفضها لمفاهيم الوطنية والقومية، علاوة على انها لا تتناول أي إشارة إلى التنوع الديني في بلادنا من منطلق المساواة أمام القانون، بل إن معظم الكتب المقررة للتعلم في المدارس العربية تنطلق من المذهب الديني المعتمد في هذا البلد أو ذاك، سنياً أو شيعياً أو غير ذلك من المذاهب، وفق رؤى وأفكار ومناهج تراثيه ماضويه يتم فرضها باعتبارها حقائق مطلقه ووحيده طالما أنها لا تتناقض مع المصالح الطبقيه للفئة الحاكمة في هذا البلد أو ذاك، الأمر الذي كرس مظاهر التخلف والتبعية، ومن ثم خلق المناخات التي تشجع على التطرف والعنصرية تجاه الآخر، الأمر الذي يدرج أصحاب العقائد الأخرى ضمن مفاهيم الضلال والكفر، ويسهم في تربية جيل ناقل وحافظ للمعلومة، غير قادر على الخلق والتفكير الموضوعي السليم، وكل ذلك يعود إلى أن النظام التربوي في الوطن العربي يحد من القدرة لدى الطالب على طرح الأسئلة وعلى فهم المعلومة المقدمة له، وإعادة صياغتها في عقله، بشكل نقدي بل يؤسس ويكرس لفعل قمع العقل عن التساؤل وتهيئته فقط للتلقي، ما يضعف قدرة الطلاب على التفكير والفهم العقلاني ويخلق منهم جيلاً ناقلاً لا فاهماً أو مساهماً في صنع الفكرة، بحيث بات الأسلوب والمنهج التربوي الديني في ثقافة مجتمعاتنا عموماً، والأطفال وطلاب المدارس خصوصاً، نقيضاً للاستنارة العقلانيه الدينية الموضوعيه التي عبَّر عنها ابن رشد والكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم من فلاسفة المسلمين، وصولاً إلى الشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي والشيخ علي عبد الرازق في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وحسن حنفي وجمال البنا ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وغيرهم من المفكرين الاسلاميين العقلانيين في القرن الحادي والعشرين .
ذلك ان التنشئه الدينية العقلانيه المستنيرة، ستوفر مجالا رحباً للعقل وحرية التفكير والاختلاف، بمثل ما تضمن تحفيز ونشر أفكار التسامح والتقدم والتطور والنهوض المنشود انطلاقاً من قواعد التفكير الحر الديمقراطي في إطار فصل الدين عن الدولة كضمانه رئيسية على طريق الخلاص من التخلف والتبعية صوب النهوض الوطني والقومي المنشود.
وفي هذا السياق، فإننا “نخطئ خطأً جسيماً لو ظننا أن تجديد الفكر الدينى يتمثل أساسا فى مراجعة ونقد بعض الأفكار المتطرفة المبثوثة فى الخطاب الدينى، وذلك لأن المطلوب قبل إحداث ثورة دينية هو القيام “بثورة معرفية” تركز على مناهج التعليم العتيقة البالية سواء فى المعاهد الأزهرية التى تخصصت فى تعليم الفكر الدينى، أو فى مؤسسات التعليم المدنى الزاخرة بقشور العلم، والتى لا محل فيها لفكر دينى مستنير”([3]).
“وهذه الثورة المعرفية المقترحة لها أركان أساسية، أهمها على الإطلاق تأسيس العقل النقدى الذى يطرح كل الظواهر الاجتماعية والثقافية والطبيعية للمساءلة وفق قواعد التفكير النقدى المسلم بها فى علوم الفلسفة والمنطق. والركن الثانى تجسير الفجوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية على أساس مبدأ وحدة العلوم.والركن الثالث هو الدراسة العلمية للسلوك الدينى لمعرفة صوره وأنماطه السوية والمنحرفة على السواء. والركن الرابع والأخير استخدام الاكتشافات الجديدة فى علم اللغة والمنهجيات المستحدثة فى تحليل الخطاب لتأويل الآيات القرآنية حتى تتناسب أحكامها مع روح العصر”([4]).
والنتيجة أن مجتمعاتنا العربية، أصبحت تعاني من ” ازدواجية واضحة على مختلف المستويات العمرانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، والإدارية، والثقافية. ازدواجية تتمثل في وجود قطاعين أو نمطين من الحياة الفكرية والمادية، منفصلين ولكنهما متعايشان معاً داخل المجتمع الواحد: أولهما عصري مستنسخ عن النموذج الغربي، ومرتبط به ارتباطاً تبعياً، والثاني تقليدي أو أصيل، وهو استمرار لما كان قائماً من قبل التغلغل الإمبريالي، ويتم الدفاع عنه بدعوى الأصالة والحفاظ على تراث الأسلاف”([5])!!.
والسؤال الآن: كيف وصل العرب في المرحلة الراهنة إلى هذه الحال الشديدة الانحطاط التي أدت إلى اعادة انتاج وتجديد التخلف بكل مضامينه الاجتماعية والثقافية، وأين يكمن الخلل؟، وجوابنا انه يكمن في طبيعة التطور الاجتماعي الاقتصادي التاريخي المشوه والمتخلف، وخصوصاً في مرحلة الانفتاح والبترودولار، التي وفرت المناخ الملائم لإعادة تجديد وانتاج الأفكار والحركات السلفية الغيبية المتزمتة، تمهيدا لهيمنتها على صعيد الفكر والمجتمع العربي، انسجاما مع تزايد تبعية وتخلف وارتهان المجتمعات العربية للنظام الإمبريالي، بما أدى إلى ازاحة المعرفة العقلانية والسلوك الديمقراطي لحساب التخلف والأفكار الرجعية السلفية، التي كانت – وما زالت – تشكل عقبةً في وجه تفتح الرؤية العقلانية التنويرية العربية، وأبقت الأوضاع العربية أسيرة لمناخ التخلف ومظاهره، التي تتبدى في أن ” العقل السياسي العربي محكوم في ماضيه وحاضره – كما يقول المفكر الراحل محمد الجابري – ” بمحددات ثلاثة هي : القبيلة والغنيمة والعقيدة، أي بعلاقات سياسية معينة تتمثل في القبيلة، وفي نمط إنتاجي معين هو النمط الربوي، الذي يرمز إليه بالغنيمة (الدخل غير الإنتاجي)، وسيادة العقيدة الدينية، ويرى أنه لا سبيل إلى تحقيق متطلبات النهضة والتقدم بغير نفي هذه المحددات الثلاثة نفياً تاريخياً وإحلال بدائل أخرى معاصرة لها.
ولهذا يقول المفكر الراحل محمود العالم ” إن قضية تجديد العقل السياسي العربي اليوم مطالبة بأن، تحول “القبيلة” في مجتمعنا إلى تنظيم مدني سياسي اجتماعي، وتحول ” الغنيمة “أو الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي، يمهد لقيام وحدة اقتصادية بين الأقطار العربية، كفيلة بإرساء الأساس الضروري لتنمية عربية مستقلة، وتحويل العقيدة إلى مجرد رأي، أي التحرر من سلطة عقل الطائفة والعقل الدوجمائي، دينياً كان أو علمانياً، وبالتالي التعامل بعقل اجتهادي نقدي”، ما يستدعي من المثقف العربي في مجابهة هذا التمدد الرجعي السلفي غير المسبوق، التأمل والتفكير والنضال الديمقراطي ضد الاستبداد والاستغلال ومتابعة المستجدات النوعية التي ستدفع إلى بلورة مفهوم جديد للمعرفة، صاعداً وثوريا وديمقراطيا بلا حدود أو ضوابط، بعد أن أصبحت صناعة الثقافة والمعلومات من أهم صناعات هذا العصر بلا منازع .
وهنا بالضبط تتجلى أهمية الفلسفة ونشرها عبر الجامعات والمدارس في بلادنا لمجابهة تحديات الانحطاط الاجتماعي الثقافي الراهن، عبر إعادة الاعتبار للفكر الفلسفي الديمقراطي والتقدمي، من خلال إعادة بلورة وصياغة أسس ومفاهيم الحداثة والعقل والعقلانية والحرية بما يسهم في استنهاض الفكر العربي المعاصر ونقله بصورة نوعية قادرة على إحداث التغيير النهضوي الديمقراطي المطلوب، ذلك هو هدف الفلسفة العقلانية الحداثية الديمقراطية التقدمية القادرة على مجابهة وهزيمة القوى اليمينية بمختلف منطلقاتها وأطيافها والوانها ومسمياتها.
في هذا الجانب، أشير إلى العلاقة التبادلية، والترابط الجدلي بين حالة التخلف المعرفي، وبين أوضاع التخلف الاجتماعي الاقتصادي في مجتمعاتنا العربية، التي تعيش حالة من الانحطاط والانقطاع المعرفي منذ القرن الثالث عشر الميلادي حتى اليوم، بحيث باتت دول الوطن العربي مجرد حلقات طرفية تابعة ومرتهنة للنظام الامبريالي الأوروبي والأمريكي، وأصبحنا –كعرب- نعيش على هامش الحضارة الغربية.

Social Links: