عشر سنواتٍ على يناير 2011 – ما الذي تبقى؟»

عشر سنواتٍ على يناير 2011 – ما الذي تبقى؟»

 يحيى مصطفى كامل – القدس العربي :

لباسكال الفيلسوف والفيزيائي، مقولةٌ مفادها إن أكثر الناس حديثاً عن الفضيلة هم مفتقدوها؛ قرأتها منذ ما يقارب الربع قرن وإذ كثرت شواهدها والأدلة عليها فلم تزد إلا التصاقاً في ذهني ووعيي.

وإننا لنرى شيئاً مشابهاً، أو لنقل موازياً لذلك ليس الآن فحسب، ولكن في السبع سنوات التي أعقبت الانقلاب، إذ منذ تلك اللحظة تم إفساح كل المجال والفضاء الإعلامي لصوتٍ أعلى وحيد ما يني يؤكد ويكرر حانقاً أن يناير، لم تكن ثورةً ولا حتى انتفاضةً مشروعة، إنها لم تكن إلا مؤامرة انضوى في ركابها المتآمرون الأشرار، وجموعٌ من الحمقى، ومن ثم تم الترويج وتسييد هذه الدعاوى وتعميمها حتى صارت أشبه بخطابٍ رسميٍ موازٍ، تنطق به وسائل الإعلام المملوكة، إما بشكلٍ مباشرٍ من الدولة أو الخاضعة بصورةٍ شبه تامة لها، في تمويهٍ «عبيط» أو توزيعٍ للأدوار يأمل في الإيهام بشيءٍ من الاستقلالية.

يناير سيظل حدثاً كبيراً، بل هو الحراك الأكبر في تاريخ مصر المعاصر، عصياً على التجاهل مستحيل الانمحاء

«لم يحدث شيء» هل الرسالة باختصار، التي يُبَح صوت هذه الأبواق في محاولة الترويج لها، ولئن اعترفوا بأن شيئاً حدث، ناهيك من كونه جللا أو فارقا وتاريخيا بكل معاني الكلمة، فهو سخيف، بأننا «ضُحك علينا» وبالتالي يدعو إلى الخجل من الذات من قبل المشاركين والندم، ومن ثم السعي الجاد إلى إلزام الذات بالنسيان. ينقض أعداء الثورة والمتعالون على الناس عليها من أطرافها، بشيطنة «القيادات» أو الوجوه التي برزت أو أُبرزت لتتصدر الأحداث حينها خاصةً من الشباب، وبإيجاد أدلة على التدريب والتمويل الخارجي وباختلاق نسبٍ عتيدٍ في أجيال الحروب، الرابع والخامس، والله أعلم بكم أيضاً (بعد أن قُتلت أطروحة الأجيال هذه في الخارج تفنيداً) وبالتدليس ودس اعترافاتٍ بمؤامراتٍ على مذكرات المسؤولين السياسيين في الخارج كهيلاري كلينتون وتسريباتٍ من بريدها الإلكتروني أو ويكيليكس. ولو أننا مضينا مع هذا الزعم من أن شيئاً ذا بال أو قيمة لم يقع من باب الانسياق في الجدل فلنسأل: ما الذي وقع بالفعل في الخامس والعشرين من يناير، فامتد ثمانية عشر يوماً، ويبدو لأسبابٍ عديدة أننا لم نزل نعيش في تأثيره سلباً أو إيجاباً؟

لنسرد إذن..

صُفع بائع خضرةٍ وفواكه في تونس، فأشعل النار في نفسه، تعبيراً عن ألمه المفرط المتراكم عبر سنين، أو شعوره بالإهانة أو تنفيساً عن غيظه وغضبه، أو تعبيراً عن احتجاجه، أو كل ذلك مجتمعاً، لن نصل إلى معرفة ما دار في ذهنه ساعتها، إلا أنه من دون معرفةٍ منه، وحتماً من دون تخطيط صار الشرارة التي أشعلت كومةً من القش والحطب البارود، هي مزيج السخط المتراكم عبر عقود من سوء الأداء، وقسوة أجهزة الأمن وتغولها، والانحياز الاجتماعي ضد الفقراء، والمحسوبية وتفضيل وترقية الأقارب. ولما كان الوضع في سائر الدول العربية مشابهاً (مع تنويعاتٍ نابعة من الوضع المحلي الخاص) فقد نشرت الريح تلك النار في كل الاتجاهات، ولما كانت مصر تحديداً تتوفر فيها كل تلك الأسباب أضعافاً مضاعفة، فقد اتجهت الأنظار صوبها لترى ما الذي سيحدث والتأثير، بعد أن علق كثيرون بأن الدور والعين عليها. نتيجةً لذلك، أو تزامناً فقد تقدم البعض لتنظيم وقفة احتجاجية على بطش الداخلية، وتدهور الأوضاع في ذكرى عيد الشرطة؛ أحسب أن قلةً (إن وجدوا) ستختلف في سرد الأحداث هذا حتى تلك النقطة، إلا أن كثيرين سيزعمون أن أولئك «البعض» كانوا مدفوعين من هذه الجهة أو تلك، إما حقداً على البلد (لا أعرف علام بالضبط) وتآمراً، أو لإفشال مشروع التوريث، إلى غيرها من الأسباب. لكن يظل السؤالان الأهم هما: كيف تحولت تلك «الوقفة الاحتجاجية» من حيث النية والتخطيط إلى ذلك الحدث الهادر الذي أرغم مباركاً على الرحيل، واستبدل الوجوه، والأهم هل يمكن أن يكون ذلك نتيجة تآمر؟ الإجابة في رأيي شديدة البساطة حاسمة للجدال. ما أحدث النقلة الكمية والنوعية هو نزول الجموع، الملايين الضخمة، إلى الشوارع، وهو شأنٌ كالحديث المتواتر بمعناه الأضيق، يستحيل إرجاعه للتواطؤ أو مجرد التحريض. لقد نزل الناس لأنهم أرهقوا، ولم يعودوا يطيقون ضيق الحال، وعسف الأمن وغياب الأمل وانسداد المستقبل.

كأي حدثٍ كبيرٍ في التاريخ، يوجد من تصادفت مصالحهم وأهواؤهم معه، ثم دخل اللاعبون الكبار على المستوى الدولي والإقليمي على الخط، وأنشأوا يبحثون عن مصالحهم بمزيجٍ من النصح والترجيح والضغط والرشى، والتهديد إذا لزم الأمر، ومن ثم اصطناع حلفاء جدد وتمحيص القدامى، وإعادة تدويرهم، إذا دعت الحاجة وأمكن ذلك، وبالطبع لحق بهم المغامرون والانتهازيون وذوو المصالح، والمتسلقون من كل صنفٍ ولون، لكن ذلك لا ينفي أسبقية الحدث وأسبابه الموضوعية.

بعد كل هذه السنوات يبقى من يناير 2011 أو بعده، الأسباب ذاتها التي جعلته ممكناً من فقرٍ ويأس واستبدادٍ، وقمع واستلابٍ للثروة، ومحسوبيةٍ وشلليةٍ وفساد. لم تتحسن الأوضاع ولا مفر من الاعتراف بأن البطش المضاعف، والدم الذي رخص وما بُث في نفوس الناس من اليأس والإحباط من أي تغييرٍ حقيقي، والشعور بأن كل تغييرٍ أو انتفاضٍ يعود عليهم سلباً، كل ذلك مجتمعاً جعل من الصعب القيام بحراكٍ آخر، خاصةً في غياب أي تنظيمٍ على الأرض، يبدو واعداً وقادراً على التصدي للقيادة واستلام الراية. الأهم من ذلك أننا مهما تجادلنا وسخر البعض من الناس، واعتبروهم حمقى ومأجورين، مهما شُنع على يناير وألصقت به من المؤامرات، سيظل حدثاً كبيراً، بل هو الحراك الأكبر في تاريخ مصر المعاصر، عصياً على التجاهل مستحيل الانمحاء.

سيظل ماثلاً شاهقاً راسخاً، يؤرق النظام وكتبته وإعلامه وأعداءه الطبقيين، فالثورات كالمخطوطات، لن تُحرق أو تنمحي، ناهيك من أن تتبخر من تلقاء نفسها، ما لم تجد الاستعصاءات والصراعات التي أشعلتها حلاً وتخطياً.

سيظل النظام وأعوانه يزعقون بعلو أصواتهم أن حدثاً عظيماً لم يحدث، تماماً كمن لا يكف عن الحديث عن الفضيلة، الذي سخر منه باسكال، ولكن ذلك لن يفلح إلا في التأكيد على أن يناير كانت ثورةً وثورة عظيمة، صفحة مشرقة في تاريخ مصر والعالم، حركت المياه الراكدة وزلزلت النظام، والأهم من ذلك حلقةٌ وبدايةٌ ستليها جولات.

  • Social Links:

Leave a Reply