رشا الأطرش – المدن :
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ظهر الشعار المعروف عن حب الحياة وثقافتها، في مقابل تمجيد الموت وثقافته. ساد نقاش مستفيض حول شعار قوى 14 آذار آنذاك، والذي استنهض من لدن قوى 8 آذار شعاراً مضاداً: “نحن أيضاً نحب الحياة”، في واحدة من أبرز تجليات فقر الخيال الذي لطالما قدّس الشهادة كفِعل بقاء عبثي، والحروب كفنٍّ من أجل الفن، والغلبة والوعيد للخصوم، والنصر المؤكد على رأس تلة الخراب، مهما كانت الخسائر في البشر والحجر، ومهما كانت الأثمان التي يدفعها اللبنانيون جميعاً. والحال، إن جماعات 8 آذار 2005، وعلى رأسها “حزب الله”، لم تستطع، في ردّها الثقافي، إلا أن تعيد إنتاج ما استفزها لتنسبه إلى نفسها.. “أنا أيضاً!” كطفل بلا موهبة، يده على خاصرته، يردّ على مضايقات أقرانه في ملعب المدرسة قبل أن يركض خلفهم ليوسعهم ضرباً.
اليوم، وبعد 16 عاماً على “الحقيقة” التي لم يظهر منها رسمياً سوى نتف لا تجدي العدالة، وبعد عقود على اغتيال مهدي عامل وحسين مروة، وغداة اغتيال لقمان سليم.. ثمة مواد أوّلية لشعار جديد تطوف فوق رؤوسنا: ثقافة المنع، ثقافة الحرب والقتَلة. هي الثقافة التي تبدو شخصية لقمان اختزالاً لأضدادها كافة. وقد قُتِل برصاصات في الرأس والظهر، أي بالطريقة المستحدثة التي تخلّت عن الانفجارات الكبرى والمفخخات، لصالح “الجريمة الوضيعة” لاصطياد الفرائس كالعصافير الحرة المجرّدة من أي حماية إلا جرأتها في الطيران عالياً.
والفريسة اليوم، وللمرة الأولى منذ عقود، شيعية. وبذلك تكون الرسالة واضحة: خوف القاتل في زمن ترنح كل شيء. تخويف العموم، بالخاص المقتول المشهودة معارضته. هذا هو المستجد، بعد سلسلة من ضحايا، إما انتموا إلى طوائف هامشية أو مستضعفة أو مكشوفة، بلا نفوذ الإقليم والسياسة، الدولة والسلاح.. وإما كانوا خارجين من وعلى طوائفهم فلا تعود سندهم بمفردات السياق اللبناني المعهود.. وإما أنهم عابرون للطوائف.. والنتيجة، عَودٌ على بدء، أي أنهم عُزَّل من أي شبكة أمان أو احتمال موجات ارتدادية على المرتكبين، بعدما أثبت القضاء اللبناني والدولي ما أثبته من قصور وعجز، وفي كنف مجتمع لبناني مقلوعة أظافر مقاومته السياسية والمدنية والثقافية، يستمع إلى أمين عام الحزب المهيمن وهو يهدد منابر نقده بالواضح المُبِين.
ولقمان سليم، قبل أن يكون “شيعياً” معارضاً لحزب الله، هو المثقف الذي كرّس جزءاً كبيراً من مقدراته ومواهبه وموارده لمناهضة المَنع والحجب والإلغاء أياً كان. هو الناشر الذي جعل “دار الجديد” أكثر من منبر لأعلام السياسة والثقافة والشِّعر، فصعدت كمنصّة لممنوعات تُبعث فيها الحياة، ولو بعد حين، ورغماً عن رقابة الدين والسياسة والإيديولوجيا. أعاد نشر كتب العلّامة عبدالله العلايلي، لا سيما “أين الخطأ” الذي صدر في طبعته الأولى عن “دار العلم للملايين” العام 1978، وضغطت المملكة العربية السعودية آنذاك كي يُسحب كتاب الفتاوى الجريئة من الأسواق، لكنه عاد وأبصر النور عبر “دار الجديد” بصيغته النهائية، مع مقدّمة بقلم الشيخ نفسه في العام 1992. كما أعاد سليم، نشر “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، ضمن سلسلة طبق الأصل، أي كما طبعته الأولى الصادرة في القاهرة العام 1929. ومعلوم أن طه حسين، حين أطلق كتابه هذا، حاربه الأزهر واتّهمه في إيمانه وبأنه يهين الإسلام، فسُحب الكتاب آنذاك من الأسواق، عُدّل، وعاد بعنوان “في الأدب الجاهلي”، كما طُرد كاتبه من الجامعة كرئيس لكلية الآداب العام 1932. وفيلم لقمان سليم عن لبنانيين في السجون السورية، تطرق إلى موضوع ظلّ محرّماً ومكتوماً ومعتّماً عليه، لسنوات طوال، سواء خلال مرحلة الوصاية السورية المباشرة على لبنان، أو الوصاية السورية-الإيرانية اللاحقة عبر أذرعهما ووكلائهما.
ولقمان سليم، هو الكاتب والمُترجم وصانع الأفلام الذي قارَبَ حِرفة التأريخ للمجازر اللبنانية من زاوية استنطاق القَتَلة. القَتَلة “مواضيع” شغلته، ولعل موته قتيلاً ليس بمفارقة. أعطاهم صوتاً وكمَّل رسم شخصياتهم ليعودوا من لحم ودم، من أجل إدانة أكثر استدارة وراهنية وتاريخية. فيلمه عن مجزرة صبرا وشاتيلا، التي دأب على إحياء ذكراها واستنكارها كل عام، جاء بألسنة مشاركين فيها. وأحد أبرز مجرمي “السبت الأسود”، جوزيف سعادة، ترجَم لقمان سليم سيرته بلُغة تترك القارئ حائراً بين الاستمتاع بهذا النص البديع، وبين مشاعر الغضب والمقت للشخصية المُركَّبة من مأساة ذاتية وتعصّب فردي وجماعي، والتي تنطق، عبر هذا الجمال الساحر، كراهتها وإجرامها.
ولقمان هو المغرم باللغة، متجرّعها وكاتبها وساقِيها حتى الثمالة التي لا صحوة منها. الباحث الذي قلّ نظيره لبنانياً. ولعله الوحيد الذي عُني بما عُني به من أرشيف وذاكرة، كانا قد سقطا في الإهمال أو النسيان، أو التعمية المتعمّدة، سواء ما تعلّق بالحرب الأهلية اللبنانية، مليشياتها وأحزابها، مقاتليها ومفقوديها.. أو ما سبقها أو تلاها من يوميات ومحفوظات وفنون أشبه بالكنوز التي، ولو أننا في بلد طبيعي، لكانت المواد الخام لمراجعات جدية ومفيدة لتاريخنا الحديث، ولكانت رافدة متاحف ووقود ماكينة إبداع متجدد.
“لن يخفت صوتنا”، قالتها مجموعات 17 تشرين ردّاً على اغتيال لقمان سليم. وقال بما يشابهها، مثقفون وناشطون ومعارضون في شتى القطاعات، من قلب حزنهم وإحباطهم وفاجعتهم. لكن، حينما تقتل ثقافة المنع والإلغاء وكاتم الصوت، المثقف المضاد لهذا كله وما يمثّل، وتنجو، ككل مرة.. وبعد ملحمة من المَقتَلات، تزداد كل يوم استطالة، كما يزداد الشر تفاهة وفتكاً، يجوز السؤال عن دَمِنا إن كان يملك أياً من مقومات الانتصار على السيف، وعن دروع عيوننا قبالة المخرز، وعن تاريخ صلاحية الشعارات والأمل.

Social Links: