ذكريات مُحدّثة بين سموّ الأخلاق و«الخسّة» السياسية!

ذكريات مُحدّثة بين سموّ الأخلاق و«الخسّة» السياسية!

فيصل علوش

قيل الكثير عن علاقة السياسة بالحكمة والأخلاق، وهي على العموم علاقة عكسية، فكلما انغمس المرء في السياسة (الرائجة والمتعارف عليها) كلما انحطّت حكمته وأخلاقه وسلوكياته بصفة عامة. فالسياسة طاردة للحكمة والأخلاق، فيما تمسكك بهما سيجعل منك، غالباً، سياسياً فاشلاً. طبعاً، هناك استثناءات دائماً.

في كتابه «غرق الحضارات»، يُجري أمين معلوف مقارنة بين شخصيتي جمال عبد الناصر ونيلسون مانديلا، وما فعله كلٌّ منهما بعد وصوله إلى الحكم.

فبعد سيطرته المطلقة على الحكم، إثر انقلاب «الضباط الأحرار» 1952، قام عبد الناصر بجملة من الإجراءات والتدابير (الشعبوية)، منها عمليات تأميم ومصادرة أملاك ونزع ملكية.. الخ، بهدف تجريد أصحاب الأملاك، وخاصة الغرباء منهم، من ممتلكاتهم. وهو ما أفضى إلى نزوح جماعي لجميع الفئات والطوائف التي يقال عنها «متمصّرة»، على رغم أنّ بعضها كان موجوداً منذ قرون على ضفاف النيل.

في المحصلة، سياسات عبد الناصر هذه قضت على الغنى والتنوع الثقافي الذي كان موجوداً في مصر، إذ كانت حينها بلداً استثنائياً يعيش حقبة تشهد ازدهاراً حقيقياً في شتى صنوف الثقافة والأدب والموسيقى والمسرح. وجميع المهاجرين إليها كانوا «ينخرطون ويتفاعلون في شؤونها، شأنهم في ذلك شأن السكان المحليين».

وقتذاك، كانت السيدة أم كلثوم تغنّي «رباعيات الخيام»، والمهاجرة السورية الأصل، أسمهان، تُحيي «ليالي الأنس في فيينا»، والمصرية اليهودية، ليلى مراد، تلهب الصالات بأغنيتها الشهيرة «أنا قلبي دليلي». كما شهدت تلك الحقبة وجود عدد من أهم الشعراء والفنانين العالميين، أمثال الشاعر اليوناني الشهير، كفافيس، الذي ولد وتوفي في الاسكندرية (1863 إلى 1933).

أما نيلسون مانديلا، (ومع حفظ الفارق بين الرجلين والمرحلتين التاريخيتين اللتين وجدا فيهما)، فعندما خرج من سجنه الذي أمضى فيه ستة وعشرين عاماً، وأصبح رئيساً لبلده، لم يتساءل إن كان البيض قد ساندوه في معركة التحرير والقضاء على نظام التمييز العنصري أم لا؟، أو إن كانوا قد تخلوا عن غطرسة المستعمرين وإحساسهم بالتفوق، ويستحقون بالتالي أن يشكلوا جزءاً من الأمة الجديدة أم لا؟.. كلُّ هذه الأسئلة أزاحها جانباً، لأنّ سؤالاً مختلفا كلياً كان يجول في خاطره: «هل سيكون بلدي على ما يرام إذا رحل منه الأفريكانز، أم لا؟..».

و«سعياً وراء استقرار جنوب إفريقيا، وعافيتها الاقتصادية، وحسن سير مؤسساتها، وسمعتها في العالم»، كان الأفضل بالنسبة إليه، «استبقاء الأقلية البيضاء»، ولقد فعل كلّ ما يلزم لـ«تشجيع أعداء الأمس على عدم الهجرة!»، بما في ذلك، الزيارة «شديدة الرمزية» التي قام بها إلى أرملة رئيس الوزراء الذي ألقى به في السجن، لـ«يتناول معها الشاي ويطمئنها على المستقبل»!!.

يتساءل معلوف؛ هل تصرّف مانديلا على هذا النحو كان من باب الحنكة السياسية أم سموّ الأخلاق؟، ويجيب أنّ «سموّ الأخلاق ضرب من الحنكة، والخسّة تصرف أخرق»!. وبأنه عندما يخون بلد قيمه، فإنه يخون كذلك مصالحه!.

وبأنّ حالات التهجير والطرد الجماعي لجماعة أو فئات من السكان من بلد ما، غالباً ما تفضي إلى إفقاره. وبأنّ موجات الطرد الجماعي «تسيء إلى من بقوا أكثر مما تسيء إلى من طردوا»، بعيداً من الحديث الفارغ والأجوف عن أسطورة «التجانس»؟!.

  • Social Links:

Leave a Reply