سنتناول على عده حلقات علم الاجتماع الماركسي وكيف انعكس على حركة الشعوب وتثويرها ضد الاستغلال، وعن الديالكتيك والعلوم والاستفادة منها في تطوير المجتمعات وتفكيك طلاسم في الفلسفة  في العلوم الاجتماعية، لقد عمد الاستاذ علي وطفه ان يقدم لنا علم الاجتماع الماركسي بدراسة مبسطة  عن الفلسفه والاجتماع

سنتناول على عده حلقات علم الاجتماع الماركسي وكيف انعكس على حركة الشعوب وتثويرها ضد الاستغلال، وعن الديالكتيك والعلوم والاستفادة منها في تطوير المجتمعات وتفكيك طلاسم في الفلسفة  في العلوم الاجتماعية، لقد عمد الاستاذ علي وطفه ان يقدم لنا علم الاجتماع الماركسي بدراسة مبسطة  عن الفلسفه والاجتماع

هيئة التحرير

علم الاجتماع الماركسي: من المادية الجدلية إلى المادية التاريخية

علي أسعد وطفة

” إن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ إنهم لا يصنعونه في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظل ظروف قائمة بالفعل، ظروف ورثوها ونقلوها من الماضي. إن تقاليد جميع الأجيال الميتة تثقل مثل جبال الألب على أدمغة الأحياء ” [1]/ كارل ماركس “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”

الحلق السادسة

 القوانين الثلاثية للجدل الماركسي المستوحاة من الجدلية الهيغيلية

،، أولا – قانون التحول الكمي إلى نوعي: وهو القانون الأول وهذا القانون هو أساس التطور وآليته. النوع هو مجموع خواص الشيء، والتغير النوعي يكون تغيراً في حال الشيء وخواصه الجوهرية وتتجلى ملامح هذا القانون العلمي في مختلف الظواهر والأشياء المادية، إذ يأخذ التغيُّر صورة حركة انتقالية من التغيُّرات الكمية إلى التغيُّرات الكيفية، ويتواتر الأمر أيضا في عملية الانتقال من حالات كيفية إلى حالات كيفية أخرى كنتيجة للتغيُّرات الكمية المُتدرِّجة التي من شأنها أن تحدث طفرة في مَجال التطوُّر، ومثال ذلك تدرج ارتفاع درجات حرارة الماء التي عندما تصل إلى الدرجة المئوية تتبخر وتتحول من سائل إلى بخار، والبخار هو حالة نوعية أخرى من الماء نختلف عن الماء السائل كلياً، ومثال أيضاً عندما تنخفض درجة حرارة الماء إلى الصفر وما دونه يتجمد الماء أي ينتقل من حالة نوعية إلى أخرى والعكس صحيح. وفي هذا السياق يقول ماركس:” إنه في مرحلة ما من مراحل التطور، يؤدي التغير البسيط في الكم الذي بلغ درجة معينة، إلى اختلافات في الكيفية[35].

ثانيا – يشكل قانون وحدة وصراع الأضداد القانون الثاني في الجدل الماركسي، ويشكل القوة المحركة للتغيير والحركة والتجدد، وتبعاً لهذا المبدأ لا يمكن فصل الشيء عن نقيضه الذي قد يكون ساكناً في تكوينه، فالشيء قد يكون واحداً ويتضمن في ذاته نقيضين مفارقين ومع ذلك فهما يشكلان وحدة مترابطة. فالظواهر والأشياء تقع في حالة التناقضات الداخلية التي تكون في أصل التغيُّر وسبباً في الحركة المُستمِرة التي تعتري الأشياء في عالمي الفكر والمادة على حدّ سواء، وقد سماه هيغل بـ “مَبدأ السلْب”. وعلى الرغم من تنافر الضدين وتناقضهما فهما متلازمان جدلياً، وهذا التناقض أو الصراع هو أساس التطور والنمو [36]. وعلى هذا الأساس يمكن القول: بأن النمو والتطور يكمن في ” صراع الأضداد “. ويأخذ صراع الأضداد اتجاهين، فإما أن يكون التناقض والتضاد داخلياً في قلب الشيء وتقع ضمن ما يمكن أن نسميه بالتناقضات الداخلية أو الصميمية، وقد يكون تناقضاً خارجياً أي أن الشيء قد يقع في تناقضات مع أطراف خارجة عنه، وقد تجتمع في اللحظة الواحدة تناقضات الداخل والخارج فيكون الشيء متناقضاً في ذاته وفي صراع تناقضي مع الأشياء التي توجد في الوسط الخارجي، وهذه صورة كيميائية للتناقضات التي يدل عليها هذا القانون، وفي كليهما فإن التناقض الذاتي والتناقضات الخارجية تؤدي إلى نسق من التناقضات والتغيرات في آن واحد في الشيء نفسه بتأثير تناقضاته الداخلية وتناقضاته الخارجية، وهذه التناقضات تؤدي إلى التغيير في بنية الشيء وفي بنية الأشياء التي يتناقض معها. ومن ثم، فهناك نوعان من التناقضات: تناقضات داخلية تقع داخل الشيء الواحد، وتناقضات خارجية بمثابة صراع الشيء مع محيطه الخارجي. لذلك فالتناقضات الداخلية أهم من الخارجية. وفي هذا يقول ماوتسي تونغ: ”يعتبر الديالكتيك المادي أن الأسباب الخارجية هي شرط التبدل، والأسباب الداخلية هي أساس التبدل. والأسباب الخارجية إنما تفعل فعلها عن طريق الأسباب الداخلية. فالبيضة تتبدل في درجة حرارة ملائمة فتصير كتكوتا، ولكن الحرارة لا تستطيع أن تحول الحجر إلى كتكوت، لأن أساس التبدل في الأول يختلف عنه في الثاني” [37].

ثالثا – قانون نفي النفي وهو الفانون الثالث في المادية الجدلية: ويعبر هذا القانون عن الحالة التي يتم فيها التطور على إيقاع التنافي في عملية التطور والحركة، ويأخذ التنافي صورة تطور صدامي عنيف بين جديد التطور وقديمه، فكل مرحلة جديدة تشكل نفيا لحالتها السابقة على نحو متواتر، والنفي هنا لا يعني الفناء، فكل مرحلة تنفي المرحلة السابقة وتحفظها في آن واحد؛ النفي الجدلي هو نفي واحتفاظ معاً، ويضرب الجدليون المَثل على هذا بقانون الجبر: -1x-1= 1. [38]. ونعتقد بأن قانون نفي النفي يجسد سابقيه ( وحدة وصراع الأضداد وقانون التحولات الكمية إلى كيفية ) وكلاهما يشكلان ديناميتين أي عمليتين تؤديان إلى الثالث ” نفي النفي” فعلى سبيل المثال عندما تتراكم التغيرات الكمية لتحدث تغيرات نوعية فإن هذا التراكم يؤدي إلى حالة نفي للحالة النوعية السابقة مع المحافظة على بعض خواصها الجيدة، ومن ثم تعود التغيرات الكمية إلى عادتها في التراكم حتى تحدث ”القفزة“ النوعية فتنفي النفي السابق مع الاحتفاظ ببعض من الحالة السابقة، وعلى هذا النحو يتعاقب النفي بنقي جديد يولد حالة أفضل من جميع الحالات السابقة وهكذا دواليك. ومن المعروف أن حركة التطور الجدلي الماركسي تأخذ اتجاهاً متصاعداً نحو الأعلى أو الأفضل أو الأكثر تعقيداً، وهذا يعني أن هذا القانون يولد حركة تطورية لولبية متصاعدة في عملية التطور ويكمن تشبيه هذا القانون بوضعية التحول القائمة في دورة التطور من البيضة إلى الدودة ومن ثم إلى الشرنوقة والفراشة. فالفراشة التي تنبثق من الدودة تعد نفياً للدودة واليرقة وفي كل الأحوال فإن البيضة الدودية تشهد تطورات كمية وكيفية وتتصارع فيها الأضداد قبل وصولها إلى مرحلة الفراشة التي تختلف جوهريا عن الدودة، مع أنها تحمل في ذاتها أيضا بذور فنائها. وهذا يعني أن كل حالة فكرية أو مادية تحمل في ذاتها بذور فنائها وارتقائها من مرحلة إلى أخرى وعلى هذا النحو كما ” لا يستطيع المرء أن يسبح في ماء النهر الواحد مرتين لأن مياهاً جديدة تجري من حوله أبداً” كما يقول الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس صاحب نظرية التغير الدائم.

ويعبر جميل حمداوي عن هذا القانون بقوله: “يقصد بنفي النفي نقيض الأطروحة ونفيها. بمعنى أن الشيء له أطروحة (Thèse)، ونقيض(Antithèse)، وتركيبSynthèse)). فظهور الشيء الجديد من القديم يُعدّ نفياً للقديم. ولكن هذا الجديد بدوره يصبح قديماً، فيأتي جديد آخر ليصبح نفياً للنفي. ولابد من الاحتفاظ، في أثناء عملية نفي النفي، بالجوانب الإيجابية في المنفي، وتفادي سلبياته؛ لأن عملية نفي النفي تساعد على النمو والتقدم والازدهار، وإلّا أدى ذلك إلى التكرار والوقوف عند حدود دائرة مغلقة. ومن هنا، فالتاريخ، في المنظور الجدلي، يسير في خط مستقيم بشكل تصاعدي من الأدنى إلى الأعلى، في إطار تطور جدلي ديالكتيكي، يتصارع فيه القديم والجديد، ويتم هذا التقدم التاريخي في شكل حركة لولبية، ولكن تظهر من حين لآخر بعض الحوادث التي تتخذ طابعاً تكرارياً، فنقول: إن التاريخ يعيد نفسه: لكن هذا لا يؤثر في مسار التاريخ وتقدمه وتطوره إلى الأمام” [39].

وعلى هذا الأساس الجدلي لقانون نفي النفي يذهب ماركس وإنجلز كلاهما إلى تفسير الانتقال من تشكيلة اجتماعية اقتصادية إلى أخرى، ومن أسلوب الإنتاج المشاعي إلى أسلوب الانفتاح العبودي إلى أسلوب الإنتاج الإقطاعي ومن ثم إلى أسلوب الإنتاج الرأسمالي، ويبدو أن كل مرحلة جديدة من هذه المراحل تعد نفياً لسابقتها، فالعبودية تعد نفياً للمشاعية الأولى، والإقطاعية نفياً للمرحلة العبودية، وكذلك الرسمالية نفياً للمرحلة الإقطاعية. وفي كل مرحلة من هذه المراحل يعتمل قانون الصراع والتحولات الكمية إلى كيفية وقانون وحدة وصراع الأضداد. فالتناقضات القائمة بين وسائل الإنتاج وعلاقاته تؤدي إلى تراكم كيفي يؤدي إلى تغير أسلوب الإنتاج، وأسلوب الإنتاج الجديد يحمل في ذاته وحدة وصراع الضدين، طبقات تملك وطبقات لا تملك وسائل الإنتاج، وكل أسلوب جديد أو مرحلة اجتماعية اقتصادية جديدة تشكل ولادة جديدة على مبدأ نفي النفي.

وتشتمل المادية الجدلية على نسق منظم متكامل من المفاهيم الاستدلالية المنهجية التي تأخذ صيغة المقولات: من مثل: “الكم والكيف والِمقدار، العلة والمعلول والتفاعُل، المضمون والصورة، الماهية والمَظهر، الضرورة والحرية، الإمكان والواقع، الفردي والجزئي والكلي، الهُوية والاختلاف، الطرد والجذب، اللامُتناهي الزائف واللامُتناهي الحقيقي، القوة ومَظهر تحقُّقها، الكم المُنفصِل والكم المُتصِل، المُجرَّد والعيني … إلخ. والمَجال مفتوح دائماً أمام مَقولات أخرى يُمليها علينا التطوُّر الجدلي” [40].

وفي هذا لأمر نجد قولاً طريفاً معبراً للدكتورة يمنى الخولي عن القوة المنهجية للجدل الماركسي أو الهيغلي، إذ تقول:”وعلى هذه الصورة سنجدُ الدنيا كلها تسير وفقًا لإيقاع الجدل الذي لا يُفلِت من قبضته القوية شيء لا في العالم المادي ولا في العالم الروحي، حتى أن الخلافات التي تقع بين الرفاق داخل الحزب الشيوعي نفسه لا يُفسِّرها إلا ذلك الجدل الهيغلي العظيم! ” [41]. لقد آمن ماركس وإنجلز إيمانًا راسخًا بأن ثمة قوانين موضوعية صريحة تحكم تطور المجتمع والتاريخ وترسم مساراته. وأنه لمن الضرورة بمكان استكشاف هذه القانونيات الحاكمة التي تمكننا من التنبؤ بالتغيرات المحتملة، والسيطرة على مسارها وتوجيهها توجيهاً إنسانياً نحو خدمة المجتمعات الإنسانية وتحريرها من كل أشكال الظلم والاستغلال.

  • Social Links:

Leave a Reply