نوار البحرة
الصليب الذهبي الصغير، يلتمع على الأرض، تحت اشعة الشمس، و ساقية دمٍ صغيرةٍ، تنساب من سور السطح، حتى البالوعه!صرخت الأم لدودي، ذات الأحد عشر ربيعاً، منذ الصباح الباكر:تعالي خذي سبت الغسيل، وضعتُها على باب المطبخ!أسرعت دودي، بتوثبها الطفولي، و انتزعت السبت، ثم التهمت درجات السطح صعوداً، كل درجتين معاً!حتى خفتت ضوضاؤها، خلف باب السطح الثقيل!كانت الأم و جارتها جالستان في المطبخ، تحتسيان القهوة، حينما دخل سامر، ابن أختها، ذي الأربعة عشر عاماً، و سأل عنها، فأشارت أمها له، بعينيها إلى السطح:-تنشر!صعد المراهق الدرجات……ثم بعد ثلث ساعةٍ، نزل مغادراً البيت، و هو يلوح بتحيةٍ مقتضبه!هزت الخالة رأسها، و هي تضحك لنكتةٍ قالتها الجاره، و ردت:سلم على ماما!حينما افتقدت الأم دودي، أنها لم تعد تسمع صخب هذه البنيه، صاحت تناديها……لم يرد أحد!.أحست بلفحة حرٍ، أصبحت تنتابها مؤخراً، كلما شعرت بقلق ما!فانساب خطٌ من العرق البارد من نقرتها، و اندمج بقطن ثوبها البيتي، على ظهرها!صعدت الدرجات، و دفعت الباب الثقيل:دودي ليش تأخرت كل هالأد!كان موس سبع طقات-ذائع الصيت حينها-مرمياً قرب سبت الغسيل المقلوب، ملوثاً بالدم!و جدول الدم الرفيع، قد جف تحت الشمس!.لم تستطع أن تصيح، غصت بصرختها، التي خرجت من حنجرتها المخنوقه، حشرجةً! أمسكت بالملابس المغسوله، التي كادت تجف، مبعدةً إياها عن الجسد الضئيل، الشاحب، و الثوب المحسور عن ساقيها السمراوين النحيلتين، مطعوناً، في عدة أماكن!و قد جفت عليه دماء دودي لزجةً، سميكةً، كأنها ليست دماءاً حقيقيةً!عانقتها، ضامةً جسدها الصغير بشدة من لا يخشى المزيد…… دفنت الأم المكلومة، رأسها، في صدر الصغيرة الذواي!حدسوا، أنه سامر ابن خالتها!كان هذا الصبي، رغم انطوائه الشديد على ذاته، ممتلئاً بالعصبية المكبوته، يراها الآخرون على محياه، موجهةً عادة ضد الكبار فقط…….لم يخطر في بالهم، أن يعتبر سامر دودي، واحدةً من هؤلاء الكبار مثلاً!أو صبيةً بما يكفي، لتثير عنده، ماكان غير ظاهرٍ حتى تلك اللحظه!حبسه أبوه شهراً في غرفةٍ، في قبو البيت، مربوطاً على الكرسي، و جلده بالحزام طويلاً و مكرراً!كانت الخالات، أخوات أم دودي، و أزواجهن، يتقاطرون على سجنه تحت البيت، يراقبونه يذوي، بشحوبه الفتي، من المهانة، و الجلد و الذنب!و يشمتون، ثم تبرد جروحهم، بالملح، ملح العقوبه!ثم انضافت إليهن أم دودي، التي أحضرنها بالحيلة، كي تشاهد عذاباته، عسى قلبها الملوع على ابنتها، التي هدرت طفولتها، عبثاً، يبترد شيئاً ما، فلا يضطرون لتسليم الفتى الآبق للشرطة، و الإستجوابات، و التفاصيل، و الفضيحه!و هو ينكر كل التهم!حزنوا كثيراً على دوديو صمتوا، جميعاً، عن من قتل دودي:ربما لأجل مستقبل زواج أخواتها، الذي ستدمره الفضيحه، و زواج بنات الخالات، و علاقة الأخوات المستقبليه معاً، و اسم العائله، و الشرف، و السمعه، و فضيحة الشرطه، و تفاصيل الاغتصاب، و و و!و هي، قد ماتت، و لن تعود!لكن بقي كل شيءٍ سواها!أقفلوا على الحكاية في القبر!فجأةً، صعدت دودي بعد أربعين عاماً، من إخفاء قصتها عميقاً، من داخلي، و أنا أشاهد على الشاشة الصغيره، في ألمانيا:القصةَ، التي حدثت منذ شهر، في برلين، و التي بطلها شابٌ في أوائل الثلاثينيات، هرب من مصحٍ نفسي، و قام بدفع صبيةٍ لا يعرفها، في نهاية العقد الثاني من عمرها، لحظة وصول المترو المسرع، على السكة أمامه، فقتلت للتو!و هو أعيد إلى مصح، لم يكن ينبغي أن يهرب منه!دودي، لم تدفن حتى اللحظهقاتلها، مازال طليقاًلم تحسم جريمته بعد!الصغيرة البريئه!دفعت بموتها، عبء الكمال المزيف، ملحاً يذرونه على الجرح، ليلمعوا الصوره.و أنا……مازلت، تلك التائهة أبداً و دائماً، أجتر تلك القصص الصغيرة و الكبيرهجداول دمٍ رفيعةٍ متفرقه، تجف، أو تتجمع، و تهدر، ثم سيلاً يكبر، و يجرف في طريقهكل شيءٍ، كل طفلةٍ، أو مراهقه، أو امرأةٍ بالغه، تهدر كنسيٍ منسي….لأنه يشتهيها، أو لأنها اشتهت خارج القطيع، أو لأن أحداً ما اشتهاها، أو لأنها لا تشتهي من أجبرت عليه، أو أن أحداً ما لم يشتهها!لكنه يهدرها ببساطةٍ، لأنه يستطيع، أو لأنهم يجبرونه على أن يستطيع……فيسكب سمه هذا، في نهر الدم الجارف، يحيط الكون منذ زمان سحيق، بغلالة دمٍ رقيقةٍ لا تجف!

Social Links: