الزعران وصعود اليمين الفرنسي

الزعران وصعود اليمين الفرنسي

م خالد نعمة…

في إطار تفسيره لما تشهده اليوم الساحة الفرنسية، كتب صديقي (حسان محمود) هذا التحليل المهم ، لمن يريد أن يعمل عقله، ويستنكف عن استعمال قوالب الأفكار المسبقة الصنع لدى تحديد المواقف.واستطراداً للفقرة الأخيرة الواردة في هذا التحليل الموضوعي، فإنني أستطرد نيابة عن الصديق حسان، وأقول: إنني لو كنت مكان المدعوة (ماري لوبان) زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية اليمينية المتطرفة، لكنت قد أفردت نصف حقائب الوزارة التي سأتسلمها لزعران الأحداث الأخيرة، لأن الفضل الأكبر سيكون لهم في إيصال العنصريين إلى دفة الحكم.كتب حسان محللاً ما يحدث:عما يجري في فرنساعندما قتل (فلويد) في أمريكا بشكل بشع، هبـَّـت أصوات تستنكر العنصرية في أمريكا، جزء كبير من أصحاب هذه الأصوات أهمل شيئين:1 ـ أنـَّـه هو عنصري، وعنصريته هذه مكرسة بنصوص يعتبرها مرجعه الأعلى، الناظم المقدس لسلوكه وتفكيره. يستنكر قتل فلويد، ويدافع مثلاً عن جرائم الشرف، ودعاؤه المركزي في صلاته يتجه إلى أقوام وأتباع أديان أخرى!!!!.2 ـ أنَّ من كشف عن الجريمة، واحتج، وعاقب عليها هي جهات أمريكية، الجمهور الأمريكي، الحكومة الأمريكية، الصحافة الأمريكية، القضاء الأمريكي. استطاعت أمريكا، وبعد حركة الحقوق المدنية (مارتن لوثر كينغ) وبحيوية نظامها السياسي منقطعة النظير، أن تتجاوز مرحلة (الديمقراطية ــ العنصرية) إلى حالتها الراهنة (الديمقراطية ــ المدنية) القائمة على المواطنة بغض النظر عن العرق واللون والدين، بينما الانتقائيون، المنددون بقتل فلويد عاجزون عن بلورة واحد بالمليون، ولو على مستوى التفكير الفردي الخاص بكل منهم، مما بلورته أمريكا جمعياً أولاً، وكرسته دستورياً وقانونياً ثانياً، وأضحى سمة نظامها السياسي ثالثاً.في فرنسا اليوم يحدث ما هو شبيه بذلك، بعد القتل البشع والمدان للشاب (نائل) غير أنه هذه المرة موشى بمشكلات فرنسا الداخلية المزمنة. يذكر الصديق (عزام أمين) أن رسالة الدكتوراه خاصته كانت عن البرهنة أن انتفاضات الضواحي في فرنسا جذرها (الصراع الطبقي). طبعاً، ووفق النظرة الماركسية للتاريخ حتى حزني على رداءة الطقس، وسعادتي بكأس المتة أساسها طبقي. ليس من ظاهرة اجتماعية، أو حراك جماعي إلا أساسه (الصراع الطبقي) لــــكن (أي نعم… لـــكن):حراك الضواحي هذا، ذو الجذر الطبقي (بالتأكيد) كيف يعي ذاته؟أ لم يشترط (ماركس) أن تعي الطبقة العاملة ذاتها كي تمارس نضالاً طبقياً ذا جدوى وثمر؟ وكيف تعي الطبقة العاملة ذاتها؟ يجيب ماركس: بأن تنتظم في أحزاب سياسية، وتمارس من خلالها نضالها.طيب: وكيف يقترح ماركس ممارسة هذا الصراع الطبقي في مستواه السياسي؟ ماركس بسلوكه وتعميماته النظرية يقترح مسارين: 1 ـ بالثورة.2 ـ بالنضال السلمي، ومن خلال مؤسسات الرأسمالية ذاتها (برلمان ـ نقابات ـ صحافة… إلخ).معظم يسارنا يفضل الثورة على ما عداها، ربما لتفريغ شحنات نفسية، ويخلط بين الموقف من الرأسمالية، والموقف من إنجازاتها التقدمية التي قدرها ماركس، لا بل اعتبرها حاملاً ووسيلةً لخوض الصراع معها، ولا أظن أنه كان مؤيداً بالمطلق دون اشتراطات لأي (انتفاضة).هل ينطبق ما سلف على حراك الضواحي اليوم؟ هل يعي هذا الحراك ذاته أين أحزابه وتجمعاته السياسية؟ ولو سلمنا بشرعية أهدافه هل وسائله ناجعة ومثمرة؟سؤال: لو أن من قتل الشاب نائل شرطي جزائري، في الجزائر، هل كان لهذه الجموع أن يكون ارتكاسها ذات ما نراه اليوم؟ أم أنَّ هوية القاتل (دينه، عرقه، قوميته) هي التي تحدد هذا الارتكاس وشدته وعمقه واتساعه؟ برأيي، يجيبنا على هذا السؤال الواقع الفج التالي: أن ردة فعل شعوب هذه المنطقة على قتل السوريين الاستثنائي (كماً ونوعاً) لم يصل إلى مستوى واحد بالألف من ردة فعلها إزاء قيام جرافة إسرائيلية باقتلاع شجرة زيتون فلسطينية. لماذا؟ لأن العنصرية المتجذرة في عقلها الجمعي، يجعلها تولي الأهمية لهوية القاتل لا لفعل القتل.قد يسأل أحدهم: ألا ينطبق كلامك عن غوغائية حراك الضواحي في فرنسا على حراك السوريين سنة 2011؟أجيب: لا مطلقاً، فالسوريون وقتذاك وعوا ذاتهم، وانتظموا في (التنسيقيات)، التي جعلت العالم كله يقول لبشار الأسد : (عليك أن تتفاوض مع التنسيقيات)، ولهذا نشأ تحالف موضوعي للقضاء عليها، أطرافه ثلاثة: النظام، الحركات الإسلامية، والمعارضة السورية التقليدية.يبدو أن على لوبان أن تفكر منذ الآن بتوزيع حقائب الحكومة، التي سوف تقودها بعد الانتخابات القادمة.

  • Social Links:

Leave a Reply