الملكية ومولدات والانتماء الوطني

الملكية ومولدات والانتماء الوطني

جلال مراد

الحلقة الخامسة الحقيقة والوهم في الانتماء الوطني .الوصاية:تتم الوصاية عند الأشخاص في حال وجود أطفال تحت السن القانوني. القاصر هو شخص لا يمتلك شخصية قانونية، ينتمي إلى فئة القاصر الأطفال أو الذين لديهم مشكلة عقلية أو مرض نفسي عضال يمنعه من قيادة نفسه والتصرف بأملاكه تصرف رشيد. انسحب هذا المفهوم بأشكال متعددة وتسميات مختلفة في عالم الاتحادات البشرية، فيمكن لشخصية اعتبارية كدولة ما أن تكون وصية على دولة أخرى، وهذا حدث كثيراً عبر التاريخ. الفرق بين الوصاية في الحالة الشخصية، والوصاية بين الدول أنه في الحالة الأولى تسقط الوصاية عندما يكبر الطفل ويمتلك شخصية قانونية، أو يتعافى من مرضه ويصبح قادر على إدارة شؤونه والتصرف بملكيته تصرف رشيد. بينما في حالة الدول فإن الدولة المسيطرة الوصية على دولة أخرى تفضل أن تبقى الدولة المنكوبة غير قادرة على قيادة نفسها وتنظيم أمورها. فهي تقوم بكل الإجرآت المعطلة والمعرقلة لأي عملية تعافي ونمو في الدولة الضحية حتى تثبت أركان وصايتها لما في ذلك من مغانم سياسية واقتصادية للدولة الوصية. ما سبق هو توصيف سطحي وعام بعض الشيء، فواقع الأمر أنه في المجتمعات الأبوية تعتبر وصاية الأب في الأسرة وقواميته على الأولاد غير مرتبطة بنضج الأولاد أو وصولهم لسن الرشد أيضاً، فإرادته نافذة في الأولاد وممتلكاتهم، شخصيته ممتدة على كامل الأسرة، وإن كان الأب لسبب أو آخر لا يمتلك التمكن والقوة والذكاء اللازم لذلك فإنه يحل مكانه الأخ الأكبر أو أحد الأولاد الذين يمتلكون قوة الشخصية والشكيمة اللازمة للوصاية والسيطرة أو الأم في بعض الحالات الخاصة، فالأب في نهاية الأمر معنى رمزي يمكن أن يملأه من يمتلك الخواص الأبوية. تمتد تلك الحالة من الوصاية في كامل المجتمع الأبوي عبر تسلسل هرمي فالإبن لديه جد أيضاً أو وجيه في العائلة والوجهاء لديهم شيخ عشيرة أو أب عائلة ممتدة كاملة ويخضعون له في المواقف الصعبة والتوجهات العامة للعائلة الممتدة. تلك الوصاية تبنونت ( من بنيه) في الدولة أيضاً فالتسليل الهرمي للوظائف في مؤسسات الدولة أخذ شكل تلك الوصاية الأبوية وبات الوصي – المدير يتدخل في كل شاردة وواردة في الإدارة التابعة له. ولا يمكن أن تمتلك الأقسام في الإدارة أي قدرة على اتخاذ قرار إلا بموافقته حتى لو كان هذا القرار ينتمي للصلاحيات الوظيفية للقسم. ما زالت في المجتمعات الأبوية تدار مؤسسات الدولة عبر الكلام والهاتف في كثير من الحالات دون وجود قيود ورقية أصولية فيكفي أن يتصل مسؤول حتى يتم تنفيذ أمر عملي وبقيت المعاملات الرسمية الورقية الأصولية تتعلق بالأمور الهامشية والروتينية. الوصاية المفرطة في الأسرة والمجتمع والدولة تحد من نمو ونضج كل من الأولاد في الأسرة، والبالغين في المجتمع ، والموظفين في دوائر الدولة. فالولد لا يستطيع اتخاذ قرار حر نابع من إرادته الحرة بشكل عفوي سواء بالبيع أو الشراء أو الزواج أو الطلاق أو تحديد الاختصاص العلمي الذي سيدرسه في الحامعة أو غير ذلك من الحالات إلا بعد الحصول على مباركة وموافقة من رب الأسرة أو من ينوب عنه. والراشد لا يستطيع اتخاذ موقف عدائي من شخص ينتمي لأسرة أو عشيرة أو طائفة أخرى إن وقع عليه اعتداء إلا بعد أن يأخذ الضوء الأخضر من وجيه العائلة أو شيخ العشيرة أو شيخ الطائفة. وقد انسحبت هذه الوصائية على الأحزاب والمنظمات فلا يمكن لعضو في حزب أن يجاهر بموقف فكري أو سياسي مخالف لتوجه الحزب إلا بعد الموافقة من الأمين العام للحزب أو من ينوب عنه. وإلا تعرض لموجه من المحاربة والتهميش والإبعاد والشيطنة. لسان حال الموظفين في الدوائر الرسمية ( لا أريد تحمل المسؤولية) لأن أي قرار من قبل الموظف مهما كان صغيراً لا يتم عبر إرادة الأب- المدير سيكون عرضة لحملة من الانتقادات و التحبيطات وتصيد الأخطاء فأكثر موظف مبادر في مؤسسات الدولة هو أكثر موظف يتعرض للعقوبات الإدارية، وأكثر موظف يرتقي في السلم الوظيفي هو الموظف المطواع المذعن القابل لأن يكون أداة في يد المدير التي يحقق من خلالها إرادته الكاملة. هناك بعض الخبرات التي يكتسبها الموظف بعد أن يدخل بنية المؤسسات الحكومية في المجتمع الأبوي إن ابتعد عنها خسر وإن طبقها ترقى وظيفياً وأصبح مسؤلاً وأبا مقرر منها: ⁃ اربط الحمار وين ما بدو صاحبو . ⁃ لا تقوم بأمر على مسؤوليتك. ⁃ لا تعمل كي لا تخطء. ⁃ إحمي نفسك وابعث كتاب بالأمر. ⁃ ………الوصاية المفرطة بالإجمال تحرم الواقع تحت الوصاية في الأسرة والمجتمع والدولة من النمو والنضج والتقدم. إنها تمنع الأولاد من أن يرشدوا ويصبحون قادرين على الاختيار بين الطرق، ويمنعهم من اتخاذ القرار ، ويشلهم عند لحظة العمل ويصبح لسان حالهم ( إلي ما عندو كبير يشتري كبير).من جهة أخرى فإن الوصاية المفرطة تعطي الحافز والحيز الكبير لكي يتم استغلال من هم تحت الوصاية ففي الأسرة غالباً ما يشعر الأولاد المجتهدين بالغبن والظلم نتيجة سلب نشاطاتهم ومقدراتهم من قبل الأب وتوزيعها للأولاد المهملين الاتكاليين أو أن يتصرف بها بما يخالف إرادتهم. في المجتمع يحصل الاتباعيين حتى لو كانوا غير متعلمين على ميزات واحترام اجتماعي كبير مقارنة بأصحاب الرأي والإرادة الحرة الذاتية، بل أنه في المجتمع كلما خرج الفرد عن إطار الوصاية وتفرد في نمط حياته وأفكاره كلما عزل وهمش واستبعد من مجتمعه. في الدولة يحل الولاء بدل الجدارة، ويعاني المبادرون والمجتهدون التحبيط والتهميش والعقوبات المتلاحقة بحجج مختلفة ويعزلون مع الوقت عن مراكز القرار عبر تصيد أخطاءهم بينما يترقى من لا يعمل مستندين للقدم الوظيفي فقط فمن لا يعمل لا يخطئ. إن مجمل الوطن كدولة ومجتمع الذي يعتمد نظام الوصاية الأبوية في إدارة مقدراته يطلب الوصاية من دولة أقوى. تلك حتمية. ويخضع عن طيب خاطر لوصاية دولة أخرى أقوى. بل أنه يشتري تلك الوصاية على مبدأ ( من ليس لديه كبير فليشتري كبير ). هذه سمة جوهرية في المجتمعات الأبوية. تتحول الدولة بمجملها لتصبح دولة وظيفية تقوم بمهام وتوصيات الدولة الوصية القوية. بالتالي فإنها تفقد شخصيتها الافتراضية وتدور في فلك شخصية الدولة الوصية، تفقد إرادتها الذاتية وتتحول لأداة تحقق إرادة الدولة الوصية. من جهة أخرى فإن الدولة الأبوية إن تمكنت لظرف أو لآخر من القوة فهي لا تستطيع أن تبقى حيادية مستقلة بل تمارس دور الوصي على الدول الأضعف لا تألو جهداً في التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأضعف ساعية سعياً محموماً للوصاية على هذه الدول وإلحاقها في إطار شخصيتها الممتدة. مستثمرة الشاردة والواردة من الأحداث والمواقف والمتغيرات لتُنْفذ إرادتها في تحديد مستقبل تلك الدول الضعيفة الخاضعة لوصايتها. ثنائية أب – ابن لا تنفك تحدد سياسات الدول الأبوية فلا حال لديها خارج عن هذين الحالين فإما دولة مغلوب على أمرها خاضعة للوصاية أو دولة مستبدة طاغية تُخْضع الدول التي تطالها لوصايتها وقواميتها.

  • Social Links:

Leave a Reply