تمساح طار عند مستوى البلاط

تمساح طار عند مستوى البلاط

م خالد نعمة

لقد راهنتُ عليهم، وأنا عالم مسبقاً بخسارتي، ولو أنني كنت أمنـِّـي نفسي بأن يكسفوني، ويخيـِّـبوا عدم ثقتي باقتدارهم، ويجعلوني أربح الرهان.ولأنَّ الأكبر مسؤولية أجبن من أن يكون في الواجهة، فقد ترك للجنة حزبه المنطقية في جبل العرب أن تحمل على كاهلها عبء الخزي والعار من المكتوب.البارحة، أي في السادس والعشرين من شهر آب لعام 2023، رأى النور أخيراً بيان صادر عن بعض الشيوعيين الموحـَّـدين في السويداء المنتفضة، لا بل الثائرة ثورة لا تراجع فيها، بيان باسم لجنة المحافظة المنطقية.وليت كاتبو بيانهم هذا قد سكتوا، ولم يعلنوا موقفاً، لأنَّ سكوتهم ربـَّـما كان سيحتمل تأويلاً آخر لصالحهم لا عليهم، فما الذي جاء في البيان المذكور؟بعد الكليشة المعتادة المتحدثة عن الحرص الشديد على وحدة الوطن واستقلاله!!! وعزة الشعب وسيادته!!! دخل المدبـِّـج إلى الموضوع مباشرة مبوبأ بيانه في تسع فقرات، وهي:- كلام إنشائي عن السياسة الاقتصادية الليبرالية وتداعياتها بصفتها إحدى الأسباب المؤدية للأزمة الحالية، مع دعوة خجولة للسلطات التي رسمتها وتنفذها منذ عقدين ونيف للتخلي عنها.- كلام مبتسر عن حق مشروع للناس بالحرية وحق المواطنة المتساوية والعيش الكريم والتوزيع العادل للثروة وصون كرامة المواطن وأمنه، مع مطالبة خجولة للسلطات بالاستجابة لها، السلطات ذاتها التي انتهكتها جميعها على مدار أعوام وأعوام انتهاكاً فاضحاً وجسيماً ومبيداً للشعب.- في البند الثالث من البيان المذكور اتهام مبطـَّـن يتساوق مع اتهامات أبواق السلطة المشبحة والنابحة على حراك مواطني السويداء العظيم والرائع، بالحديث عن الشعارات الانفصالية والمناطقية والطائفية المفرطة بوحدة البلاد تحت شعارات الإدارة الذاتية واللامركزية ومشاريع التجزئة والتقسيم.- البند الرابع تكرار لكلام جرى علكه على مدى عقدين في أدبيات الحزب الشيوعي السوري الموحد عن ضرورة تراجع الحكومة الرسمية عن قراراتها، وكأنَّ هذه الحكومة المستخدمة لأغراض التمسيح السياسي هي من تصدر القرارات، وليست حكومة الظل الفعلية برئاسة ثورها الأكبر هي من يصدرها، وهي الآمر والناهي وصاحبة اليد العليا في كل شيء.البنود الأخرى في البيان الآنف الذكر هي استكمال للعلك السياسي من أشخاص يريدون حملاً دون دنس، وتغييراً دون فعل على الأرض، وطحيناً دون قمح وطاحونة وطحـَّـانين.أما تاسعة الأثافي في بيان الأمس من شيوعيي الصالونات الأدبية، فهو الخاتمة، التي جاءت على الشكل الآتي: (لقد أكد حزبنا مراراً وتكراراً أنَّ الحل النهائي للأزمة السورية هو حل سياسي، يستند على مخرجات مؤتمر وطني شامل، يضم جميع القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية والإثنية، والتوافق على إنهاء الأزمة، ورسم مستقبل سورية وفق الثوابت الوطنية).وغاب عن البيان كل ذكر للقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن بخصوص سورية، وغاب عنه كل ذكر لما يحدث في الجنوب السوري، الجنوب المنتفض والثائر، وكأنَّ هدير الجماهير لم يصل بعد إلى الجالسين في مكاتب أحزابهم، أو وصلها فأرعبهم، وأنزل الهمَّ على ركبهم ومفاصلهم.والمضحك في هذه الخاتمة هي مسألة الثوابت، التي أعتقد جازماً أن ثابت شخص الرئيس يأتي في مقدمها، كما يفهمونها هم.فضت أفواهكم، ونثرت أسنانكم يا رفاقي المهترئون سياسياً بعد كلامكم المكتوب هذا!لقد تخلـَّـفتم عن الركب كثيراً، فما عاد لوجوهكم مرأى، ولو ركبتم صاروخاً فرط صوتي من تلك التي يصنعها حبيبكم بوتين، فلن تلحقوا بكسيح عرف طريق الثورة ومشى فيه.أنتم ذاتكم من يدق المسامير في نعش هذا الحزب، الذي يكاد يبلغ من العمر قرناً من الزمن، والذي ركبتم ناصيته دون أهلية، وستسوقونه إلى نهاية بشعة مشابهة لنهاية نظام الاستبداد والطغيان القائم، الذي ارتضيتم أن تكونوا ذيلاً له.المجد لكل من قال لا سابقاً وحاضراً ومستقبلاً، ولكل من قرن فعلاً بالقول من أجل التغيير الحقيقي.والخزي والعار لكل من كانت شيوعيته حبراً على ورق، وكلاماً ممجوجاً بكلام، وجعجعة لا تغني ولا تسمن من جوع.الحياة الكريمة لا تليق إلا بكل من وجد في نفسه الجرأة لينزل إلى الميدان، ولينادي بالتغيير الجذري غير هيـَّـاب ومتجاوزاً حاجز الخوف.وكل الحب لأهلنا المنتفضين والثائرين في مختلف مناطق هبتهم الملهمة، والمجددة للأمل بأنَّ هذا الشعب قادر على أن يلد ثواره كلـَّـما دعت الحاجة، وكلـَّـما دقَّ الجرس معلناً بدء جولة جديدة من النضال لأجل المستقبل الأفضل.

  • Social Links:

Leave a Reply