شواطي واشرعة

شواطي واشرعة

عبد الكريم خشفة

في الحقيقة، وسامتي وطولي الفارع، وتمكّني من اللّغة، وإجادتي للغتين غير العربيّة، وقوّة شخصيّتي، كلّ ذلك فتح الأبواب أمامي بسهولة لأن أكون مذيعا في التّلفزيون الوطني من دون واسطة!
كنت أنتقل بسرعة في تقديم البرامج، مثل برامج اتّحاد الفلاحين، والاتّحاد النّسائي، والاتّحاد العمالي، وبرنامج الطّلائع، والشّبيبة، والطّلبة، ودواليب الحظ، إلى أن وصلتُ إلى إعداد البرامج الدّسمة وتقديمها كإجراء المقابلات مع الشّخصيات الأدبيّة والفنّيّة والسّياسيّة الهامة من النّوّاب والوزراء والزعماء …
ولكن، هذه المسيرة الطّويلة كانت حافلة بالحُفر والمطبّات والنّكسات! فانتقالي من برنامج إلى آخر لم يكن إراديّا، بل إجباريّا!
فمع أنّني جئت من جذور الأرض، إلا أنّهم طردوني من برنامج خضرا يا بلادي خضرا، لأنّي تقاتلت مع رئيس إحدى الجمعيّات الفلاحيّة على الهواء بسبب خلافنا على تركيب الخلطة العلفيّة للأبقار الحلوب!
فنقلوني إلى برنامج العمّال، ولأنّني لم أشاركهم الدّبكة في حفل مسابقة بطل الإنتاج في المعمل الوطني للكرتون؛ نقلوني إلى تقديم برنامج الاتحاد النّسائيّ، ثمّ طردوني منه بسرعة لأنّي تغزّلت بصدر الأمينة العامّة للاتّحاد، بتقديري لم أخطئ معها، فقط قلت لها: أنت قبيحة، ولكنّ صدرك جميل!

بعدها صرت أقدّم النّشرة الجويّة، إلا أنّ مذيعة فاتنة ذات مواصفات فنّيّة وتعبويّة مميّزة، تلبس قميصا بلا أكمام وفستانا إلى فوق الركبتين! ثم تتحدّث عن المنخفضات الجويّة المترافقة مع الثّلوج، كانت أكثر قبولا مني، حذّرْتُهم من أنّها سترتدي ثيابا فاضحة في تقديم نشرات الصّيف! فقالوا هذا ما يريده الشّعب!

ثمّ قضيت وقتا جيّدا خلال مدّة زمنيّة ليست قصيرة في قسم البرامج السّياسيّة، حيث أجريت لقاءات مع زعماء كثر. وغطّيت إعلاميا مؤتمرات القمّة العربية في العواصم المختلفة..
وما لا تعرفونه أنّ لقائي مع أحدهم قد تخلّلته الكثير من الفواصل الإعلانيّة، لتتاح له الفرصة للذهّاب إلى المرحاض لأنه مصاب بسلس البول!

أحد الرؤساء أشار إليّ أنّه حان ميعاد الدّواء، فخرجنا لفاصل إعلانيّ، أخذ خلاله: حبّة للضّغط، حبّة للسّكّري، جرعة من بخّاخ الربو، حبّة للبروستات، حبّة للقلب، تحميلة للمفاصل، وحبّة للألزهايمر، ثم ختمها بحبّة فياجرا.
وفي لقائي مع أحد الزّعماء المقعدين، خرجنا في فاصل إعلانيّ عطِر ريثما غيّروا له حفاضه!

ولأنّني كنت لا أمسك نفسي من الضّحك؛ فقد طردوني إلى قسم البرامج الفنيّة، حيث كنت أجري مقابلات مع الفنّانات، وأستمتع كثيرا بلقاء الرّاقصات الشّرقيّات اللاتي بفضحن أكثر مما يسترن، سألتُ إحداهن إن كانت قد رقصت أمام شخصيّة هامّة، فقالت بفخر: أنا لا أرقص إلا أمام الشّخصيّات الهامّة، ورقصت في أحد الفنادق أمام الزعماء، عقب انتهائهم من اجتماعات القمّة.

في الحقيقة، كانت هذه الفترة أجمل فترات عملي مذيعا ومحاورا، فقد كنت أرى عن قرب من الرّاقصات ما ترغبون جميعا في رؤيته، إلى أن جاءت اللّحظة الحاسمة، حيث قلت لإحدى الرّاقصات الخلوقات في لقاء على الهواء:
إنّ الرّقص الشّرقيّ لا يصنّف كفنّ، وإنما هو ابتذال لجسد المرأة، وهو إغراءت جنسيّة فاجرة، ولا علاقة له بالفنّ!
فما كان منها إلا أن ضربتني بمنديلها الذي تربط به خصرها، ثم وصفتني بالدّاعشي المتخلّف… بعدها جرجرتني سنة كاملة إلى الأقسام والفروع!

بعدها، طردوني من العمل طردا كلّيّا لا رجعة فيه!
عندها رجعتُ إلى قريتي التي خرجتُ منها -فاتحا- ولولا موقفي الأخير من الرّقص الشّرقيّ؛ لطردني أهل القرية أيضا، إلا أنّهم كرّموني، وأعطوني عشرين رأسا من الغنم لأعتاش منها إلى جانب عملي سائقا لباص البلدية.

  • Social Links:

Leave a Reply