عبد الكريم خشفة

لما دخلت حجرتها وجلست إلى جوارها صامتا على غير عادتي قالت:
خيرا إن شاء الله؟
ماذا فعلت اليوم؟
هل كسرت صحنا لأمك؟
أم أضعت مفاتيح الجرار لأبيك؟
أم أخذت وسطا في الإملاء؟
أم فعلت كل ذلك !؟
نظرت إلى وجهها، فابتسمت وقالت:
بعد قليل سنعرف!
ولما سمعت خطوات أبي تقترب من بابها، سارعت للاختباء وراءها، فقالت:
لا تخف يا ضناي….
كان أبي يحمل في يده شبرين من خرطوم المياه الذي يلهب به مؤخرتي عادة!
سألته ماذا تريد؟
أجاب أريد هذا الذي يختبئ وراءك أمي، لا بد من تأديبه، لقد شجّ رأس ابن جارنا !
فقالت له أخرج من هنا، لن تمسه .
قال: أمي، أريد.
قالت: اخرس واخرج، إياك أن تضربه، إذا جاءني يبكي سأغضب عليك، هيا انقلع من
هنا !
غادر وقد امتلأ غضبا مني.
لا أحد يجرؤ على أن يكلم أبي هكذا من دون ردة فعل منه إلا هي، تستطيع أن تؤنبه
وترفع صوتها عليه، بل وتضربه إذا شاءت من دون أن يرفع نظره في وجهها .
هدأت من روعي، وقامت إلى صندوقها الخشبي فلحقت بها لعلمي بما يضم!
قالت:
اقترب يا جروي الصغير، ناولتني حبات من التين المجفف وحبات من الجوز
فامتلأت يداي الصغيرتان.
صندوق جدتي عالم آخر عالم سحري، أو قطعة من الجنة تضم ما لذ وطاب، تفوح
منه رائحة معتقة لا أستطيع تحديدها بدقة، ولكن تغلب عليها رائحة النعناع المركزة
التي تصدرها زجاجة (أبو فاس الصغيرة التي تدهن منها ركبتيها، أو تضع منها على
جبينها إذا داهمها وجع الرأس.
وتخبى به علبة من العسل تكحل به عيون أحفادها الرمدة، أو تضع منه على جروحهم
الملتهبة.
وفي زاويته توجد قطعة قماش بيضاء تلف بها ما أبقاه الدهر لها من ذهب (مبرومتهاالعزيزة)
وإلى جوارها صورة صغيرة لجدي رحمه الله … وفيه أيضا صرة وردية مشدودة بإتقان تضم ثوبا له، رفضت أن تتصدق به كباقي ثيابه ليبقى ذكرى. كما تضع فيه قطعة قماش كحلية ستجعل منها ثوبا تلبسه عندما تخطب لعمي الأصغر بعد أن ينهي خدمته العسكرية، وعقدا من حبات العقيق المدهشة في ألوانها، تضعه في يدي لأتأمله لعلمها بحبي لذلك، ومكحلة من الفضة المزخرفة ورثتها من أمها. وبعض الأوراق النقدية التي تخصصها لتشتري لأحفادها هدايا إذا ألم بهم
مرض طارئ، أو نجحوا في المدرسة .
تغلق الصندوق تدنيني منها وتقول :
يا بني لا يجوز إيذاء الناس والجيران خاصة، بل يجب علينا مساعدتهم عندما
يحتاجون، فهذا سبب من أسباب رضا الله ودخول الجنة …
يا بني عليك أن تطيع أباك وألا تعذب أمك، فغضب الوالدين يضرك كثيرا في دنياك
وأمنتك….
يا بني أريد أن أراك طبيبا قبل أن أموت، فاجتهد في مدرستك، هل تعدني بذلك؟أشرت برأسي موافقا وأنا ألتهم ما أعطتني هذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها نصحا لي، وفي كل مرة كان يدخل كلامها من الأذن اليمنى ليخرج من الأذن اليسرى
ولكنني الآن أذكره جيدا وكأنها بجواري تعيده علي ….
ظلت جدتي إلى أن ماتت – رحمها الله – ركنا من أركان بيتنا، وبركة حضورها تغطي
الجميع.
عندما كانت على فراش الموت أوصت أبي ألا يضربني، وأوصتني بما كانت توصيني به دائما …
بعدها صرت كشجرة وحيدة في مهب الريح إلى أن صرت شابا مكتمل العقل الآن، كلما اشتقت لجدتي أذهب إلى صندوقها الخشبي الفارغ المركون جانبا، أضع رأسي فيه أستنشق بقايا رائحته المعتقة مرات ومرات حتى أرى جدتي بأم عيني تبتسم
وتملأ يدي الصغيرتين بالتين المجفف وحبات الجوز ….
Social Links: