في نقد العولمة

في نقد العولمة

د جمال الشوفي



ثقافة العالم المتقدم الذي نظر لها فوكوياما وغيره، في الديمقراطية والحريات ونهاية العالم في أبهى حلة له، تظهر اليوم تعاملها الاستثماري والنفعية المحضة (البراغماتية) مع دول المنطقة من دون مستوى الحقوق والحريات المطروحة في أدبياتها الليبرالية، وليست بمنظار الجنة الموعودة لحقوق الإنسان وحق تقرير المصير، ما يجعل العولمة وثقافتها محط شك وتساؤل كبيرين.
فعلى الرغم من الانتشار العلمي الواسع التقني، وتنامي ثورة الاتصالات ووصولها لكل منزل في المعمورة أواخر القرن العشرين المنصرم ووصولها لكل أصقاع الكرة الأرضية، إلا أن العولمة لم تشكل ثقافة كونية بعد، كما لم تتعين في كلية كونية متساوية، ما جعل بوابات نقدها قائمة على الدوام؛ فحيث أن كل موضوعة متعينة واقعًا هي “ذات” ثقافية عامة، لكنها وبحكم حركة الواقع ومبادرة الأنا المفكرة، تستوجب النفي الممكن والنقد كضرورة حاضرة في التاريخ وفي الكون والمعرفة أيضًا.
العولمة، التي شكلت بالنسبة لعصر الأنوار، عصر الحداثة والحريات، عصر حقوق الإنسان والتقدم العلمي، معطىً حياتيًا وثقافيًا عامًا بدول العالم المتقدم “ما يطلق عليه بالأول”، إلا أنها لليوم لم تقترن بتأصيل هذه الثقافة في دول العالم المختلف عنها “ما يطلق عليه بالعالم الثاني والثالث”، والذي نحيا به، بل ما زالت ثقافات المنطقة قيد صد ورد من العولمة وثقافة الليبرالية واقتصاديات السوق مثلها، كما ما زالت مسرحًا لأنماط تقاسم النفوذ السياسي والاقتصادي بطريقة التحالفات والصفقات الاقتصادية، أو بالهيمنة العسكرية التي دشنتها أمريكيا في العراق وتتابعها روسيا في سورية بطرقها الجيوبوليتيكية.
قراءات نقدية عالمية
الكون أو العالم وفق المدى المنظور لا يقف عند فكرة العولمة ببعدها الاقتصادي والتقني فقط، بل يسعى للوصول لصيرورة التشكل والتقدم الفكري والعلمي معًا والعام بشكله العالمي، حيث، ثقافة الحريات والقوانين الوضعية ودولة المؤسسات المتشكلة وفق عقد اجتماعي عنوانه العريض: الدستورية وثقافة الليبرالية مع تقدم علمي متقدم منذ الآلة البخارية وصولا لثورة التكنولوجيا.
لقد شكلت العولمة وثقافة السوق المفتوحة بالوقت نفسه حلقة مكتملة استلابيًا من حيث شكل العلاقات المادية والرقمية والشيئية، تلك التي باتت ترهق كاهل المواطن في ظلها، في الدول الليبرالية والديمقراطية ذاتها.. هذا ما دفع الكثير من مفكري وفلاسفة العالم إلى نقدها معرفيًا والعمل على تشكيل تيارات فكرية تعمل على فك هيمنتها المادية والتقنية على الحياة في شتى أشكال المعرفة:
في مجالات الأدب والرواية، كما عند إنسان هيرمان هيسه في ذئب البوادي، أو بترجمة أخرى ذئب السهوب، الذي يسعى اتجاه روحانيات الشرق للتغلب على أسره المادي والعلاقات المقولبة والمقيدة لذاته الإنسانية “لنختبر الآن روح ذئب السهوب، سوف نجد أنه يختلف عن البرجوازي في أعلى مراحل تكون فرديته، لأن كل امتدادات الفردية تدور حول الذات وتعمل على تدميرها” (هيسه، ص 65) .
أو في الساحة الفكرية السياسية، وأبرزهم روجيه غارودي الذي يحدد سمات العولمة سياسيًا واقتصاديًا بمرجعيتها لقوانين الاستثمار الرأسمالي ونزعتها المهيمنة الاستعمارية، وما لها من أثار سلبية في العمق الفكري والقيمي “جمعت النهضة الغربية في بادئ نشأتها بين الرأسمالية والاستعمار، تلك النهضة المقنّعة وراء الفلسفة المثنوية اليونانية كمبدأين متعارضين: الخير والشر”(غارودي، ص 19).
في سياق آخر، ذهب الكثير من مفكري النظام العالمي للتحذير من خطر ثورة التكنولوجيا بذاتها، خطر يهدد البشرية جمعاء لما له من قدرات تقنية عالية على مستوى صناعة السلاح، وأدوات التحكم الدقيقة وتطور صناعة الأسلحة الحديثة فـ “القرن العشرين هذا، أنتج أسلحة قادرة لأول مرة في التاريخ، أن تبيد كل أثر للمدنية على وجه الأرض” (معلوف، ص 77) .
وليس فقط في البحث عن قدرات إنتاج مادية متقدمة تقنيًا وعسكريًا تشكل أدوات سيطرة وهيمنة، بل في صناعة الرأي العام عبر الإعلام والترويج لأهدافها عبر امتلاك القدرة على الوصول اعلاميًا للكل البشري “هذا إن دل على شيء فهو يدل على الطريقة التي يدار بها نظام جيد لتصنيع الإجماع في نظام دعائي جيد” (تشومسكي، ص 26- 27) .
العنف والخوف المكتنف العالم، وما ينتج عنه من تداعيات عامة في كل مستويات الحياة النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية، هذه الظاهرة التي لم تلقَ الاهتمام الكافي في الدراسات السياسية كمثيلتها في الدراسات السيكولوجية، لكنها قادت العديد من مفكري العالم لتفنيدها والوقوف على ناصية المشهد فيها، ما جعل روجيه غارودي يكتب كتابه الشهير “حفارو القبور” موجها نقده لمستويات التحكم الصناعية وغزوها دول العالم كما في الهند والعراق، أضف لفقدان الأمل لدى الشباب وأعداد الانتحار المتزايدة في دول العالم المتقدم أصلًا”إنه من النفاق ادعاء “التضحيات الإنسانية” ومحاولة إضفاء الشرعية على ذبح 80% من سكان هذه القارة بسبب الأشغال الشاقة في مناجم الذهب والمزارع، لتحقيق حاجات العواصم الاستعمارية الغربية فقط” (غارودي، ص 18) .
في ذات السياق تلحظ حنة أرندت التناقض الدائم بين الواقع الإنساني بتجربته الغنية والمتنوعة مع النظريات المشبعة بالشمولية والكلية كلها، والتي تبشر بخطر كوني شامل، إنها الحرب المولدة لأقسى درجات العنف، والذي تطورت أدواتها “تقنيًا إلى درجة لم يعد من الممكن معها القول بأن ثمة غاية سياسية تتناسب مع قدرتها التدميرية، فأحداث القرن العشرين وحواراتها حوله، أي العنف، هي التي أتت بهذه التأملات حول العنف، تلك التي اتخذت من سباق التسلح ومفهوم القوة كرادع ضامن للسلام، أنه يمثل خطر كوني على كل الحياة البشرية” (أرندت، ص 5) .
ويتجه النقد نحو الجانب المعرفي، في شموله وتشكيله نوى نظرية نقدية، حيث الفكر البشري الناقد للعولمة من موقعها، قيد التكون في تشكيل نظرية معرفية تبلغ من القدرة على النفي المعرفي قدرًا واسعًا، تتشكل معه تيارات فكرية وسياسية تسعى للانبساط في الواقع بطريقة أكثر إنسانية.
الفكر الذي يبحث في أدوات الهيمنة العلمية ذاتها ويحاول الوصول لنظريات تستطيع الجمع بين المعرفة الإنسانية والتقنية كأدوات لمصلحة الإنسان بوصفه ذات متعينة وليست شيئًا أو رقمًا، عليه امتلاك مقومات وجوده الإنساني والعمل على فك هيمنة التقنية والعولمة كنظام مكتمل “التناقض بين الميل الوطني والميل الاتفاقي للتكيف مع التوسع الرأسمالي، هو تناقض داخلي لطبقة يتغلب فيها طابع الوحدة” (أمين، ص 69).
بينما يذهب تيار الحداثة الغربي في اتجاه التأسيس لعقل إنساني يقوم على فك أسوار التواصل الرقمي والمؤتمت المهيمن، والذهاب اتجاه التواصل الإنساني بشكل مباشر عبر اللغة ومحتواها الإنساني والعقلي والمفهومي؛ ويأتي في مقدمتهم يورغن هابرماس، فيلسوف النقد والتواصل في علوم الاجتماع والسياسة وفي مقدمة الفلاسفة العصريين من مدرسة فرانكفورت الشهيرة، والذي تعتبر نظرياته في التواصل ونقد العقل الأداتي مقدمة للجمهورية الحديثة الألمانية؛ وفقًا لقول يورشا فيشر وزير خارجة ألمانيا وقتها،حيث يستند هابرماس في منظومته التواصلية المعرفية النقدية، بشكل أساسي على التواصلية التفاعلية اللغوية “تتكون القواعد التقنية أولا ضمن التواصلية اللغوية، ولكن ليس لديها ما هو مشترك مع القواعد التواصلية للتفاعل، ففي الأوامر المشروطة التي يخضع لها فعل أداتي، والتي تنتج من جانبها من مجال خبرة العقل الأداتي، تدخل فقط عَليّة الطبيعة وليس عَليّة القدر” (هابرماس، ص 113-114).

  • Social Links:

Leave a Reply