<strong>الجيوبوليتيكا والنظرية الرابعة في السياسية</strong>

الجيوبوليتيكا والنظرية الرابعة في السياسية

د جمال الشوفي



تذهب علوم الجيبوليتيكا بعمومها لدراسة الدول في محيطها الحيوي، أو السياسي، عبر عدة مداخل منها: التاريخية، والإقليمية، والوظيفية، وعلوم الاجتماع والإنسان الاجتماعي (الأنتروبولوجيا) بحيث تتضمن مجموعة كبيرة من المفاهيم تحدد شكل وجود الدولة السياسي وحدود علاقتها في محيطها الحيوي، وآليات تشكيل تحالفاتها والبحث عن توفير مواردها وأسواقها وكيفية تأمينها، وذلك بشكل يتجاوز حدودها الطبيعية التي تحدده مفاهيم الجغرافية السياسية ضمنها إلى حدودها السياسية المتوسعة أيضًا؛ وبالضرورة وضع خططها الإستراتيجية والدفاعية في هذا السياق.
بينما اهتمت العلوم الجغرافية بالحدود الطبيعية للدول وشكل تضاريسها، ذهبت الجغرافية السياسية للاهتمام بوجود الدولة السياسي ضمن حدودها الطبيعية وتباينها عن غيرها، لكن الجيوبوليتيكا أتى كعلم مختلف اشتق مبدئيا من الجغرافية السياسية وذهب اتجاه وجود الدولة السياسي خارج حدودها الطبيعية، وهو العلم الذي ظهر بقوة في نهايات القرن التاسع عشر قبيل تشكيل التحالفات الكبرى التي قادت إلى حربين عالميتين كبريين في النصف الأول من القرن العشرين، ويعاد إنتاجه اليوم لا بصيغته الكلاسيكية المبنية على التحالفات الدولية وفقط، بل على علم يحتمل الإطار المفاهيمي والتدريس الأكاديمي خاصة في العلوم العسكرية والإستراتيجية؛ إذ تشير لذلك المحاضرات المقدمة في الكلية العسكرية للحرب الإستراتيجية في الولايات المتحدة على سبيل المثال، بما يتعلق بمفاهيم الأمن والإستراتيجية والمجال الحيوي وبدور الدولة السياسي وفقًا لهذا العلم: “الجيوبوليتيك ليس طريقة أخرى لفهم سلوك الدولة وفقط، بل هو إطار مفاهيمي للفهم والتحليل أيضًا. بشكل عام، يعتبر الجيوبوليتيك أن نوعية المساحة المادية التي تحتلها الدولة تشكل أشكالًا قوية التأثير على توجهات هذه الدولة وخيارات السياسات اللاحقة. هنا، الديموغرافيا والاقتصاد والتجارة والبيئة والتاريخ وتوافر الموارد الطبيعية، ليست سوى بعض المتغيرات العديدة التي تشكل إطارًا لأمن الدولة. عمومًا، الجيوبوليتيكا الحديثة تحتضن الكثير من اللمسات ووجهات النظر النظرية على العديد من مجالات البحث الاجتماعي.
وهنا من المفيد التوضيح، أنه نادرة تلك الكتب والمقالات العربية، التي تبحث في علوم الجيوبوليتيكا “الجيوسياسية” كعلاقات سياسية دولية، ومعظمها على ندرتها تدرس العلاقات الدولية بمواقع حدوثها أو حدوث حروبها والتنافس الدولي فيها، هذا مع أن هذا المفهوم بقي سائدًا لليوم على أنه ذاته علوم الجغرافية السياسية. ففي الخلفية التاريخية برز علم الجيوبوليتيك في القرن التاسع عشر، متجاوزًا ما كان يسمى بالجغرافية السياسية قبله، وذلك في مرحلة التمهيد لصراع عالمي كبير، مرحلة نمو القوميات وبروز قواها المهيمنة، وهي المرحلة التي مهدت لاحقًا لكل من الفاشية والنازية والشيوعية كأيديولوجيات شمولية كبرى تسعى للتوسع والهيمنة العالمية وعقد التحالفات خارج حدودها الطبيعية، في حيز صراع متنامي فيما بينها من جهة، وكل منها منفردة مع الأيديولوجية الليبرالية الديمقراطية التي باتت أكثر انتشارًا وترسيخاُ في أوروبا حينها.
بالمبدأ، يمكن تحديد الفروق بين الجغرافية السياسية والجيوبوليتيك بالنقاط:
ترى الجغرافيا السياسية أنها انعكاس لصورة الدولة وشكل توضعها السياسي في محيطها الجغرافي، بينما الجيوبوليتيك تجعل الجغرافيا في خدمة تجاوز حدودها السياسية.
تحدد الجغرافيا السياسية الإمكانات الجغرافية المتاحة للدولة طبيعيًا، بينما الجيوبوليتيك تعنى بالبحث عن الاحتياجات الصناعية والتجارية والسياسية التي تطلبها هذه الدولة حتى وآليات وحسابات توسعها خارج حدودها الجغرافية الطبيعية.
تعمل الجغرافيا السياسية بحدود الواقع الطبيعي للدولة، بينما تبحث علوم الجيوبوليتيك في أهداف الدولة المستقبلية، من زحزحة الحدود وانزياحها، إلى تغيير في الحدود وإعادة تقسيمها سياسيًا.
الجغرافيا السياسية الابن الشرعي؛ لترسيخ مفهوم الدولة الحديثة وتتعامل معها كجملة واحدة ثابتة الحدود والهوية والمضمون، بينما تعتبرها علوم الجيوبوليتيك كائنًا عضويًا قابل للحركة والنمو والتوسع والتمدد،
الجغرافية السياسية علم يعتبر الدولة واستقرارها الحيوي نقطة استهدافه الرئيسة، بينما علوم الجيوبوليتيك يراها في الاستقرار المرن الاستراتيجي خارج الحدود، حتى لو كانت كلفته مزيدًا من الحروب ومن الكلفة البشرية.
بينما تكون الجغرافية السياسية ثابتة المفاهيم والتوضعات، تكون علوم الجيوبوليتيك متغيرة باستمرار وقابلة للتبدل بشكل سريع حسب المصالح والتقاطعات الدولية

  • Social Links:

Leave a Reply