
ميخائيل باكونين (1814-1876) فيلسوفً روسيً ومنظّرً سياسيً يُعتبر أحد الآباء المؤسسين لما يسمى الفكر الفوضوي L’anarchisme وهي فلسفة سياسية تدعو إلى الثورة على السلطة قهرية ، وخاصة سلطة الدولة ،وهي تهدف إلى إنشاء مجتمع بدون تفاوتات اجتماعية أو ثقافية، أين يتمكن الأفراد من التنظيم بحرية والعيش بشكل مستقل عن أي سلطة.
وُلد باكونين في عائلة أرستقراطية روسية، لكنه تبنى في شبابه الأفكارً الثورية وناضل طيلة حياته ضد السلطات الاستبدادية والإقطاعية في أوروبا.
كانت المسألة الدينية عنصرا مركزيا في مشروعه الفلسفي السياسي وفي نضاله ضد الاستغلال والاستعباد ،وكان يعتبر الدين من العوامل التي تساهم بقوة في استدامة الاستغلال ، بحكم أن الدين يمثل النموذج الأعلى للسلطة، وكان يرى أن هناك علاقة سببية بين خضوع العمال للدولة الرأسمالية ولسلطة الدين وكان يعتبره المصدر الأصلي للسيطرة ، والجهاز الأعلى للسلطة الذي يجعل جميع أشكال السيطرة الأخرى ممكنة ،رغم أنه مجرد موضوع اعتقاد ، يرى باكونين كلما استمر الإيمان بالدين لن يتمكن العمال من التحرر.
حينما نعرض الفلسفة السياسية لباكونين ،هذا لا يعني اننا نعلن عن موقفنا الخاص من هذه الفاسفة او نتبناها وإنما الغرض من طرحها هو محاولة فهم لماذا يرى باكونين أن الإيمان بالدين يمنع الثورة.
لفهم ما ينتقده باكونين في الدين ، أو على الأقل في الإيمان به، سنستند إلى كتابه “الله والدولة” الذي نُشر عام 1882. هذا الكتاب يعد مرجعًا في الأدب الفوضوي ذي النزعة الإلحادية ، وفيه يعبر عن موقفه الفلسفي من الانقسام الكبير الذي شهده تاريخ الفكر بين المثالية والمادية.
باكونين فيلسوف مادي، يرى أن العالم مكون فقط من المادة ، كل ما يوجد فيه ذو طبيعة مادية أو له أصل مادي كالشجرة والقلب والسيارة والسيارة…. الخ ولكن ماذا نعني بالأصل المادي؟ هناك بعض الظواهر غير مادية كالفكر ، لكن التيار المادي يرى أن بعض الظواهر غير المادية، هي تعبير عن أنشطة مادية ، فالتفكير، على سبيل المثال هو نتاج نشاط الدماغ، والدماغ عضو مادي، وهنا يشدد باكونين على أنه لا ينبغي الخلط بين الفكر الذي هو غير مادي، والدماغ الذي مصدره مادي. بعبارة أخرى، يرى هذا الفيلسوف أن الكيانات غير المادية مثل الأفكار، المشاعر، والقيم تنبع من المادة.
في المقابل، المثالية هي التصور المناقض للمادية، إذ تعتبر أن الأفكار والكيانات الروحية موجودة بشكل مستقل عن المادة. بالنسبة للمثاليين، ليست المادة هي التي تنتج الأفكار، بل الأفكار هي التي تستثمر في المادة.
في العصر الحديث، نجد هذا التضاد بين المثالية والمادية في المعركة الفكرية بين هيغل وماركس ،بالنسبة لهيغل، الأحداث هي تجسيد للفكرة التي يسميها العقل الكوني ،أما بالنسبة لماركس، فالأفكار هي تجسيد للأحداث، أي أنها تُنتَج بعد أن تحدث الأحداث، تحت تأثير قوى مادية.
إن مادية باكونين لا تلغي العقل ولا تقول بأنه غير موجود، بل ترى أن العقل لا يوجد كواقع منفصل عن المادة ، ليس السماء هي التي تحكم الأرض، بل الأرض هي التي تمتد إلى السماء ، هناك معارضة ميتافيزيقية بين المثالية والمادية ، لكن في الواقع، لا يصح استعمال مفهوم “ميتافيزيقا” ونحن بصدد الحديث عن المادية ، لأن الماديين لا يقرون بوجود ميتافيزيقا، لعدم وجود ثنائية المادة والعقل ، لهذا سيرفض باكونين التصور الميتافيزيقي للوجود لانه يفصل بين المادة والعقل .
العقل حسب باكونين لا يوجد بشكل منفصل عما هو مادي، إنه متضمن في المادة ،وقد عبر عن هذه الفكرة بشكل جذري عندما أكد على أن الميتافيزيقا ليست سوى نتاج تصورات نفسية لا علاقة لها بالواقع المادي، فعندما يتحدث الناس عما هو مجردة كالعقل، الأفكار ، فإنهم ينفصلون عن الواقع المادي، ويتعاملون فقط مع سراب ما ينتجه خيالهم ويوهمهم بأنه حقائق ، الأفكار موجودة ينتجها الدماغ، كما أن الحلم هو نتاج العقل ، على الرغم من أن ما يحدث في الحلم ليس حقيقيًا، لكن الحلم بحد ذاته هو ظاهرة حقيقية، مرتبطة بنشاط الدماغ.
على ضوء فهمه لطبيعة الأفكار وعلاقتها بالمادة ، يستخلص باكونين استنتاجًا مهمًا فيقول :” بما أن الأفكار ينتجها الدماغ، فإن الدين هو نتاج العقل ، والإله مجرد خيال، وهم، صورة، وليس كيانًا موجودًا بذاته” وفقًا لهذا التصور يرى باكونين أننا نحن من نجعل الدين موجودًا، وتاريخ البشرية يثبت هذه الحقيقة ،ذلك أن الإله كان دائمًا يتخذ السمات المادية والاجتماعية للعصر الذي تم إيجاده فيه.
في مجتمعات ما قبل التاريخ أي قبل وجود الأمم، كان يسود الاعتقاد بوجود الأرواح، وكان الاعتقاد السائد أن الإله يسكن في كل الأشياء وهذا ما كان يعكس ارتباط الإنسان بالبيئة الطبيعية ومظاهرها التي كان يبحث لها عن تفسيرات . أما في المجتمعات التي سادت فيها الديانات القائمة على تعدد الآلهة، كانت لكل أمة آلهتها المخصصة لأداء وظائف اجتماعية مختلفة مثل الإنجاب والمطر والحرب والزراعة والفنون…. الخ وقد كان هذا التصور انعكاسا روحيًا للتنظيم المادي للمجتمعات في تلك العصور .
يرى باكونين، أن الديانات التوحيدية ، مثل المسيحية، تزامنت مع توحيد الشعوب على يد الإمبراطورية الرومانية، مما استدعى وجود إله عالمي للجميع، وهكذا فإن الإله دائمًا يتخذ صورة الحاكم، وهو انعكاس روحي للوضع المادي لأولئك الذين يحكمهم .
باعتباره فيلسوف ماديا يفسر باكونين ظهور الأديان إلى احساس البشر بالحاجة إليها، لانها كانت تطمئنهم وتساعدهم على حل مشاكلهم . لقد تحمل البشر الألم والموت بشكل أفضل عندما منحوا لهما معنى بواسطة الدين ، وعلى الرغم من أن الإله محرد خيال -حسب باكونين- لكنه كان خيالاً ضروريًا ساهم في تطور البشرية.
لقد تأثر باكونين بشدة بهيغل، ثم بماركس ، النقطة المشتركة بين هذين الفيلسوفين هي الجدل الذي يعني أن الأشياء تتطور من خلال مراحل متتالية، وكل مرحلة جديدة هي نفي للمرحلة السابقة . في الرؤية الجدلية للتاريخ، لا نقول إن حدثًا ما جيد أو سيء، أو أن اعتقادًا ما صحيح أو خاطئ ، نقول إنه كان ضروريًا تاريخيًا، كان لا بد من المرور بذلك، لأن العالم يعمل من خلال النفي الذاتي،
يخضع الدين لنفس المنطق أي تعدد المراحل والنفي الذاتي ، فبعد الإيمان بالأرواح، ساد تعدد الآلهة، وأخيرا كان التوحيد، لكن باكونين لا يتوقف في مرحلة التوحيد وإنما يؤمن بحتمية وجود مرحلة أخيرة هي الإلحاد، وتتحقق حينما يتم إدراك أن الدين اختراع بشري. إن هذه المرحلة تمثل نقطة التحول في الوعي الإنساني، حيث يدرك الإنسان أنه هو الذي خلق ما يؤمن به، وعليه أن يتحرر ليحقق إنسانية حرة قادرة على التنظيم الذاتي، فلا تحتاج بعد ذلك إلى أي دين ، وبما أنها لن تحتاج إلى دين ، فلن تحتاج أيضًا إلى سيد.
بالنسبة لباكونين، الدين هو والد جميع السلط ، بين سلطة الدين، وسلطة رأس المال، وسلطة الدولة، لا يوجد اختلاف في النوع، بل فقط في الدرجة، في الحالات الثلاث، يتعلق الأمر بالاعتماد على سلطة تدعي أنها تحدد ما تراه جيدا لنا وتفرضه علينا ، من هنا يكون النقد الفوضوي أوالأناركي للسلطة هو رفض كل ما يقوم على افتراض أن البشر يحتاجون إلى أن يتم توجيههم وإدارتهم، ويذهب باكونين بعيدا بنقده ليشكك في سلطة العلم ، فعلى الرغم من احترامه للعلم وكل ما يسهم في الفهم العقلاني للعالم، لكننا نجده يرفض سلطة العلم، لأنه يرفض أن تفرض أية سلطة نفسها علينا وتدعي انها تملك القدرة على أن تخبرنا بالطريق الذي يجب أن نسلكه وتجبرنا على الامتثال لإرادتها واختياراتها ، ويبقى الدين هو الذي حاربه باكونين أكثر، لأن سلطته منطقيا غير معقولة.
Social Links: