د سمير التقي
إن سوريا اليوم تقف عند مفترق طرق مفصلي في تاريخها، لحظة فارقة تحمل في طياتها تعريفاً لمستقبل البلاد لعقود قادمة. منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة نتيجة اتفاقيات سايكس بيكو، وُضعت البلاد على مسارٍ تم وصفه بـ”سلام ما بعده سلام”، وفقاً لوصف ديفيد فرومكين. ولكن، تلك الرؤية لم تكن سوى قشرة رقيقة فوق صراعات داخلية وتناقضات لم تُحلّ.
اليوم، وبعد سقوط الظلم الوحشي الذي كان يرمز إليه نظام الأسد، لم يكن الدمار العمراني هو المأساة الكبرى، بل تكمن الكارثة الحقيقية في الدمار النفسي والاجتماعي. فقد انهار العقد الوطني الذي كان يجمع السوريين، وانتشرت روح الخوف والغلّ بين مكونات المجتمع. هذه المشاعر باتت بمثابة أرض خصبة يتسلل منها الغرباء ليحوّلوا سوريا إلى ساحة صراع استراتيجي دائم يخدم مصالحهم في الإقليم.
الوطنية السورية تحت الأنقاض
لقد شملت وحشية نظام الأسد كل مكونات الشعب السوري، ما جعل الوطنية السورية هي الضحية الأولى لهذا الاستبداد. تعرض العرب السنة لقمعٍ شرس طال كافة جوانب حياتهم، بينما سُحقت القوى الديمقراطية المدنية تحت وطأة النظام إثر مظاهراتها السلمية. وعلى الطرف الآخر، عانى الأكراد من عقود من التهميش التاريخي، سواء تحت ستار الدين أو القومية البعثية.
أما المكونات الأخرى، سواء كانت علوية أو سنية أو غير ذلك، فقد وجدت نفسها ضحيةً لاستغلال النظام، حيث استُخدمت كوقود لماكينة القمع الوحشية. هذا الاستغلال لم يكن يهدف سوى إلى الحفاظ على هيمنة الأسد بأي ثمن. وقد اعتمد الأسد على نظرية تقول إن هذا الشعب المتنوع بطبيعته لا يمكن حكمه إلا عبر الوحشية.
السؤال المحوري: هل يمكن للسوريين العيش معاً؟
بعد انهيار حكم الأسد، يبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع السوريون، رغم جراحهم العميقة ومخاوفهم المتجذرة، أن يعيشوا معاً مرة أخرى؟ وهل يمكنهم تقديم نموذج يُثبت زيف مقولة الأسد بأن هذا الشعب لا يُحكم إلا بالاستبداد؟
إن الإجابة على هذا السؤال ليست بديهية. فأمام منطق الانتقام والغلبة الذي لا يجلب سوى العنف المتبادل، يجب على السوريين أن يتبنوا طريقاً جديداً قائماً على التفاوض والتوافق. هذا التوافق يجب أن يُبنى على أسس وطنية جامعة، تسبق أي دستور أو سلطة شرعية، لأن الاعتقاد بأن أكثرية ما يمكنها حكم البلاد بمنطق الغلبة هو وصفة مؤكدة لتقسيم البلاد أو إدخالها في دوامة حروب لا تنتهي.
ألغام في طريق صياغة الدستور
عندما نتحدث عن صياغة دستور جديد لسوريا، يجب أن ندرك أن الطريق ليس مفروشاً بالورود، بل مليء بالألغام التي تهدد بإفشال أي محاولة لإعادة بناء الدولة. من بين هذه الألغام:
- منطق “من حرر يقرر”: هذا المنطق يؤدي إلى إعادة إنتاج دورة لا نهائية من الاستبداد والاستبداد المضاد. فكل جهة ستسعى للاستقواء بالخارج ضد السوريين الآخرين.
- الدستور كأداة غلبة: هناك خطر حقيقي في محاولة استخدام الدستور لتكريس الغلبة الراهنة. كما حدث في العراق بعد سقوط صدام حسين، حيث أُنتج دستور تحت الهيمنة الأمريكية كان سبباً في استمرار الصراعات الداخلية.
- سيطرة الزعامات الدينية: إذا ما تم اختزال الحوار الوطني في تمثيل زعماء دينيين فقط، فإن النتيجة ستكون تأسيس نظام ديني شبيه بـ”المجالس الملية” العثمانية، حيث تتحول الدولة إلى أداة لخدمة الزعامات الدينية.
- تكريس الدولة الدينية: إن تحويل سوريا إلى دولة دينية لن يؤدي إلا إلى زيادة القمع والتسلط داخل الطوائف نفسها، حيث تُصبح الزعامات الدينية هي السلطة المطلقة.
نحو وطنية سورية جامعة
إن الطريق إلى دستور جديد يجب أن يبدأ من الهوية الوطنية الجامعة التي تتجاوز الطائفية والعرقية. هذه الهوية ليست جديدة على سوريا؛ فقد كانت المدن السورية الكبرى، منذ العهد الأموي، مراكز للعلمانية المؤمنة التي فصلت الدين عن سلطة الدولة دون أن تُقصي الدين من الحياة الاجتماعية.
الأكثرية السورية ليست طائفية بطبيعتها. فهي مدنية، معتدلة، وعابرة للإثنيات والطوائف. هذه الروح المدنية هي التي أفرزت ثقافة وسطية جامعة، يمكن البناء عليها لإعادة صياغة مفهوم الوطنية السورية.
القوى الاجتماعية: أمل في البناء
رغم عقود الاستبداد، ظهرت في سوريا قوى اجتماعية تحمل الأمل في بناء وطن جديد. هذه القوى تشمل:
• الطبقة الوسطى المدينية: التي تمثل العمود الفقري للمدنية السورية.
• البيروقراطية الوطنية: التي كانت عنصراً مهماً في الحفاظ على الدولة رغم التحديات.
• رجال الأعمال والمثقفين: الذين لعبوا دوراً محورياً في مقاومة كل أشكال التعصب والتطرف.
الحوار الوطني: السلاح الوحيد
في ظل التدخلات الإقليمية والدولية، يبقى السلاح الوحيد بأيدي السوريين هو الحوار الوطني الطوعي. هذا الحوار يجب أن يكون شاملاً، ويضمن تمثيلاً حقيقياً لكل مكونات المجتمع السوري، بعيداً عن منطق الغلبة أو الاستقواء بالخارج.
التضحيات لتحقيق الوحدة
المسؤولية الكبرى لتحقيق التوافق الوطني تقع على عاتق من يعتبرون أنفسهم “الأكثرية”، فهم من يجب أن يقدموا التضحيات الأكبر لتوحيد البلاد وضمان مصلحة سوريا العليا.
سوريا على مفترق الطرق
لقد فتح سقوط الأسد الباب أمام نقاش كبير حول شكل الدولة ومستقبلها. اليوم، السوريون أمام خيارين: إما أن يسلكوا طريق الحوار الجاد لبناء وطن موحد، أو أن يستسلموا لدورات جديدة من العنف تغذيها التدخلات الخارجية.
فهل سيبقى “الفخار يكسر بعضه”، أم أن السوريين قادرون على صياغة مستقبل مشترك يليق بتضحياتهم؟

Social Links: