العلمانية بين علبد الجابري وجورج طرابيشي

العلمانية بين علبد الجابري وجورج طرابيشي

نصار يحيى

كيف يمكن لظاهرة ما تحاول استنباط سبل الحياة، نتجاهل تسللها وأنها مضتْ وتمضي؟

الجابري
جورج طرابيشي

المجتمعات المشحونة بالممنوع واللاممكن، تدفع بمحاولة طرح اشكالية ما، إلى الخلف إلى ” سلة المهملات” لكن لا تتوقع أنها تسكن هناك في قعر اللاشعور الجمعي.
تظل متخفية باستمتاع، لكنها كلما سنحت الفرصة تنبثق عنها افكار جديدة، كي تخرج على الصمت حيث توطنت في ساحة ما من المكبوت والممتنع على التفكير..
سأقف هنا ببضعة شذرات لحوار العلمانية و “توأمها الحقيقي” الديمقراطية مع مفكرين مهمين؛ لطالما رافقتهما “السلامة السجالية”.
هما محمد عابد الجابري (المغربي) وجورج طرابيشي (السوري):
محمد عابد الجابري، يتكلم عن المدنية باعتبارها مرحلة متقدمة في نظام الحكم، يبدأ القول: “تاريخياً العقلانية بنت المدينة”، ثم يستطرد نحو السياسة وكيف تصبح ممكنة: “عندما يكون هناك مجال مستقل هو المجال السياسي، أي عندما تنفصل السياسة عن الدين وعن القبيلة والأمير..حينها يمكن التفكير في شؤون المدينة وفي شؤون المجتمع..”.
دعنا نشير إلى أن (الجابري) لم يكن من دعاة العلمانية بشكلها الأوروبي، حيث انطلقت من مواجهة المأثور المسيحي وكيف كانت سلطة (بابا الفاتيكان) هي السلطة الاولى، يريد هو القول ان في مجتمعاتنا ليس هناك كهنوت يوازي تلك السلطة..
لن أختلف معه الآن حول العلمانية، أو أن التاريخ الاسلامي لم يكون هناك كهنوت يتحكم بالسلطة السياسية (الخلافة بمراحلها المتعددة)..وهو يعي تماماً إن العلمانية لاتعني معاداة الدين ولا محاربته، إنما هي برايه فصل الدنيوي عن الأخروي..
جورج طرابيشي، كان له رأي آخر حول هذه “المخاتلة” للخطاب اللغوي ، من خلال كتابه هرطقات، حيث تبني (الجابري) للعقلانية السياسية متزامنة مع الديمقراطية كبديل للعلمانية..
ينوه (طرابيشي) أن العلمانية ليس فصل الكنيسة عن الدولة؛ عندما استند الجابري لقول الإنجيل: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. سيعلق لاحقاً أن العلمانية هي من استعادت لهذا القول بعده الروحي.
إنما تعني العلمانية بفصل الدين وليس حصراً الكنيسة عن الدين، هي لا تهدف الى تحرير المجتمع من الدين -القول لطرابيشي- بل إذ تكف يد الدولة عن المجال المجتمعي وعن المجال الديني معاً، مما تكفل أكبر قدر من الحرية الدينية للأفراد والجماعات معاً،
هنا قد يبرز السؤال المهم لماذا كان (الجابري) لديه هذه الممانعة من العلمانية، باعتبارها دخيلا على المجتمع العربي، حيث فقط هي من الآثار المسيحية..
الجابري بتبنيه للعقلانية السياسية ومهمازها الديمقراطية، فهو قد اقترب من الجوهر العلماني، فكيف ستتمكن العملية الديمقراطية في ظل غياب العلمانية، او بتعبيره في ظل العقلانية السياسية ، التي عرفها ببساطة: أن العقلانية هي من بنت المدينة ومن تجعل السياسة ممكنة وبقوله عندما تنفصل: “السياسة عن الدين وعن القبيلة وعن الأمير”..
دعنا نجعل المفكر المغربي عبدالله العروي يدلو بدلوه:
في كتابه (السنة والإصلاح، وكتابه نقد المفاهيم).
حيث المحاكاة بين العلمانية والسلطة المحايدة التي ترسم الحدود وتلزم كل طرف باحترامها..هذه السلطة هي التي تمثل العلمانية “الحياد المنشود”، التي تنبني على حرية الفرد والضمير.
علينا أن نتفق أن العلمانية ليست هي إيديولوجيا ما، إنما هي فضاء عام تجعل من الدولة في الموقع الحيادي من المعتقدات الدينية والارضية..
وهل من الضروري التذكير بتلك التجارب التي أدعت العلمانية وكانت محكومة بأيديولوجيا صارمة، كما “التجربة السوفييتية ولواحقها في أوروبا الشرقية. أوذاك النموذج المقلد والذي حكم باسم “القوميات الاشتراكية من بعثية وناصرية” في شرقنا “الجميل”.
أن تلك التجارب لم تكن الا علمانية بالاكراه، الذي يؤسس لطغيان الديكتاتور في البدء يسمى الأمين العام..
وكان من الطبيعي أنها تنطلق من الذات المطلقة وفق تلك المنظومة الايديولوجية التي لا تعترف “ببقية خلق الله” الا بنفسها، حيث الاخر مقصيٌ و “تكملة عدد” ليس إلا.
من هنا تطرح نفسها تلك العلاقة الحميمية بينهما -العلمانية والديمقراطية-، حيث الديمقراطية لا تقف عند صناديق الاقتراع، إنما تعميم ثقافة الاعتراف بالاخر بمعزل عن معتقده أو البطاقة التي ولد عليها، هي هنا تنهل من ثقافة الاختلاف حيث الحياة للأفراد والجماعات تسير وفق هذا المختلف، والمحدد الهوياتي هو المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، بما هي معيار الانتماء، دوناً عن انتماءات عشائرية او طائفية او قومية..
هل العلمانية هي “صرعة العصر”، سيتسلق عليها الكثيرون من فلول النظام أو ممن يضمرون ما لا يعلنون، من حالة انغلاق ما مذهبي أو طائفي؟
أو هل هي فقط للتماهي مع بعض النماذج العصرية في علاقة الحاكم بالمحكوم؟
إنما تلك “الاقتباسات” والتعليق عليها، تحاول الصدى لمحاولة الاجابة عن السؤال القديم والذي استفحل واستوطن حياتنا، خاصة في تلك الحقبة الاسدية السوداء حيث استلهمت في بداياتها -عصر التأسيس للحكم الشمولي البعثي على قاعدة الشرعية الثورية- والذي انقلب عليه الاسد الاب، لينفرد بالسلطة البوليسية المطلقة، ثم بمرحلة اخرى، فكرة التوريث، كما أية سلالة عائلية حاكمة ملكية، مع الحفاظ على اسم الجمهورية!!
كما العائلة الوحيدة الاخرى في عصرنا الراهن (الكورية الشمالية) عائلة كيم إيل سونغ..
تصرخُ العلمانية بصوتٍ عالٍ: هل هكذا طغاة من الجنون و المعصومية ذات “الطابع القدسي” تمثلني؟؟!!
يقال: أن الحكم البوليسي المتشدد، ليس فقط يعتقل ويراقب ويكمم الافواه بما فيها “نسمات الهواء الغربي”، إنما الاهم استبطان “المواطن المسكين”، أنه مراقب كيفما توجه، حتى في خصوصيات غرفة نومه. ثم يمشي “مسرنماً” قلقاً: لطالما كانت “الحيطان لها آذان” تسمع وتسجل، ثم غدا في الصباح سوف ترسل التقارير الى “ملكوت الرعب”.

  • Social Links:

Leave a Reply