جوليا سلام
اليوم يخرج السوري من كهف كان يراقب فيه العالم كظلال رمادية مرتجفة على جدرانه ، استطاع أحياناً خلال سنوات الحرب التي ضعضعت الكهف أن يجد بعض الثقوب التي ساعدته على مراقبة العالم الحقيقي بلا أن يتاح له المشاركة فيه، جعل قمع الأسدين من المستحيل على الجماعات والعامة إنشاء خارطة سياسية منطقية أسوة بالعالم، يمين ويسار و وسط ، محافظ، تقدمي، ملكي توريثي ، برلماني ، اشتراكي، رأسمالي ، أناركي وكل المساحات والنظريات بينهما ، من المستحيل ان تتصف بأي منها السياسة في كهفنا، فكان الأسد كل شيء وكل اتجاه، أي أنه لم يكن شيئاً بالمرة، اليوم يخرج السوري نصف أعمى، صوته محشرج متقطع بسبب الصمت الطويل، وعليه بدأت ترتسم خارطة سياسية يمكن لمراقبي الثقوب أن يستشعروها ويقفوا خلف منظّريها في الصفوف الأولى، فمن أولئك الذي يلتقطون السوري الخارج من الكهف ؟
يتنوع من هم في ذاك الطرف المرئي من المعارضين القدامى و المؤيدون الجدد و المنظرين وكتاب الشعر والرواية و الشيوخ والدعاة و مبشري الإبادة الجماعية لكل من لا ينتمي للأمة الناجية ، إلى صانعي محتوى اختبار الطعام.. ، لكني صدفت صنفاً يمد أصابعه بينهم ، ميزته من مراقبتي الثقوب على دول العالم، سأسميه صنف (سيدات الأعمال المحافظات) .
قد يشمل هذا الصنف كثير من السيدات اللاتي بذلن للثورة السورية في الأروقة الدولية والمشاركة في مؤتمرات الحوار وتوجيه المساعدات من الخارج والتمثيل النخبوي للنساء السوريات ، إلا أن التقاط السوريين الخارجين من الكهف كموجة فوضوية أزال طبقات العمل الثوري مبقية تحتها سيدة الأعمال “المحافظة” ، فماذا تقول هذه السيدة اليوم للخارجات والخارجين من الكهف ؟
في فيدوهات تنشرها هذه السيدة على اليوتيوب والتيكتوك تعيش في الولايات المتحدة، قدمت نفسها على انها ممثلة لنا نحن النساء السوريات في الخارج بينما لا تخفى في خطابها استحقار الغرب “الكافر”، ألتقط من خطابها الكلمات المفتاحية ، الهاربة من دفاتر حزب الجمهوري الأميركي، أوخطاب اليمين الأبيض الأوروبي، الذي غالبا ما يستخدم هيكلية توحيد وتجانس كتلته الانتخابية خلف رواية ما، ويخترق برامجه (وجود اخر شرير لا يشبهنا) كأداة سهلة غير مكلفة لتجميع المناصرين على أساس الخوف والانتماء الى ماض مجيد يوتوبي متخيل، تكرر سيدة الأعمال في خطابها كلمات مثل (دولة تشبهنا) (الديمقراطية كذبة غربية) (تقاليدنا) (ديننا) (شعب واحد) (من ينتقد الحاكم اليوم هو”آخر”) (من لا يشبهنا هو “آخر”) (من لا يقدس ما نقدس هو “آخر”) (من يشتكي ولا يمتنّ هو ” آخر” أو هو “ثورة مضادة”) وكلمة المفتاحية التي ستتكرر هنا (النسوية الكذبة القادمة من الغرب وهدفها أن تهدم العائلة) وأقسم لكم أنها قالت بكل جدية :(هذه هي النسوية الي بدكن ياها؟)
يلفت نظري المظهر الذي تبديه سيدة الأعمال عموماً، فهي لا تبدو داعية اسلامية رسمية، ولكن خطابها تحتله حكايات السيرة النبوية والتبريرات والمحاججات الخارجة من التاريخ الاسلامي الأول، لا ترتدي الحجاب، ولكنها تحث السامعات على اتباع التقاليد التي يريد الغرب والسوري “الآخر” نزعها منهن، لديها منصات مفتوحة ومساحات آمنة وأعمالها الخاصة وغالباً تمتلك في منزلها اللفاية والجلاية والشوفير والسيارة والمدرس الخاص ولا يبدو أنها ستحتاج يوماً المشي في شوارع بلادنا وأزقتها فلما التفكير بأمان النساء المقرون بحريتهن؟ لماذا التفكير باحتياجاتهن المعقدة والمتباينة ؟ صنف سيدات الأعمال هذا يشيطنَ النسوية ويستهزئن بها لأنهن لسن بحاجتها، فهن محصنات داخل عوائلهن وأعمالهن وممتلكاتهن المتوارثة، يبعن روايات تعزيز الدين للمرأة بلا أي معالجة للواقع وكيف يختلف قراءة كل فرد لهذه “العزة” ، تستهزئ من النسوية التي تدعو النساء أن يختاروا ما يردن أن يكونو عليه عبر تمكينهن فكرياً او عبر الاستقلال المادي، والذي يجب أن تضمنه المؤسسات قبل الأفراد، وتذكر هنا مثالا على “فشل” النسوية في تمكين المراة التي تسكن الخيام والتي كان من الاحرى بهذه المرأة أن تسكت على زواجها وهي قاصر أو الاستمرار “بدورها الطبيعي” في جلب الأطفال بهذه الظروف بدلاً من الاستماع إلى بدع التمكين النسوي والمعرفة الجنسية وغيرها من البدع الغربية التي قد تساعدها في هذا الدور ان وجدت نفسها تقوم به . تنهي حديثها بأن “النسوية” تريد منكن “الاستقلال” أتصدقن هذا! فترد النساء البسيطات وبعض الرجال الذين يباركون (شرفها) في التعليقات بالحوقلة وشكر الله.
يلفت نظري خطاب من هو نحن ومن هو الآخر عند الواقفين خارج الكهف، اعتادت الدراسات الفكرية التي اتابعها على أن (الاخر) هو من يختلف في طبقته الاجتماعية ، لأن تعارض المصالح الأساسي ينشأ من تعارض علاقتنا على سلم الانتاج، هذا الخطاب اليوم يتسم بالفوضى لكن تسيطر عليه بسبب طبيعة ” المنتصرين” نخبة البودكاستات من دعاة دين إلى شخصيات حكومية سابقة أو منشقة الى مؤيدي الشرع الشعبويين، يتفقون على أن “الاخر” هو من ليس في دينا ومن ليس في تقاليدنا ومن ليس في لغتنا، في تسويق مباشر وغير مباشر لأمة أسلامية متناغمة عوضاً عن الحلم القومي العربي المتناغم السابق، أحلام دائماً ما تترك على هوامشها إبادات هنا وهناك، تمييز وإقصاء قمع وكبت وتشكيل عبر القص والسحق للوصول لـ ” نموذج أنسان أسمى”، فكما القومية العربية (والقوميات الفرعية حسب الدول الوطنية) كانت في بلدان المنطقة إلهاماً مغرياً من النازية الألمانية وعرقها الآري الأسمى والتي خلفت ملايين القتلى ودمار قارة كاملة، ظهر خطاب الأمة الإسلامية (كقومية) وعرقها الإسلامي السني باعتباره العرق \الدين الأشرف ، في توازي واضح لخطابات المسيحيين المحافظين في الغرب على أنهم (أمة مسيحية) يحاربون في منصاتهم النسوية وحركات التحرر العالمية وحتى توجهات الحفاظ على البيئة أحياناً لأنها (بدع تريد تدمير العائلة)، ولست هنا في صدد تناول هذه الأفكار، بل عرضها ككلمات مفتاحية هاربة من خطابات المحافظين الغربيين اليوم، وكيف يلتقطها المحافظين الذين تنمو جذورهم شيئاً فشيئاً اليوم على الخارطة السياسة السورية .
تشبّه سيدة الأعمال ، في مثال مثير للعجب فعلاً سأتذكره كلما جادل أحدهم متكلماً عن “الآخر”،أنها مع مجموعتها الموحدة المتناغمة ذئاب على تلة ( تذكرتُ هنا الذئاب الرمادية الأتراك) بينما يراقبون من التل “قطيعاً” من الخراف يحرسهم “كلب” يسأل ذئب صغير أباه: هذا الكلب يشبهنا يا أبي لماذا لا يتركنا نصطاد؟ يرد الذئب الأب الحكيم أن من تظن أنه يشبهنا هو عدو لنا يابني ولايشبهنا. تنتهي القصة. ماذا تريد منا سيدة الأعمال هذه أن نستنتج من القصة ؟ العبرة: أن ليس كل السوريين “سوريون” ، في تفكيك للقصة من قبلي قد يكون السوريون أما ذئاباً كاسرة ، او كلاباً تشبه الذئاب ( في طبقتهم الاجتماعية او التأثير المجتمعي السياسي) أو قطيع خراف، الكلاب يحمون القطيع من أن يتم افتراسه من قبل الذئاب ، ولكنها تصور المشهد في القصة على أنه خيانة، يمكن أنها تقصد بالخيانة أن الكلاب حين (يعارضون الانتهاكات ويوجهون أصابع الاتهام للسلطات على التلة) فهم بهذا أعداء الإستقرار وأعداء الثورة، وهي لا تكذب حين تقول عن نفسها أنها أحد الذئاب ، ولكنها يا أصدقائي بينما تؤكد أنكم ذئاب مثلها (سوريين حقيقيين) ، أريد هنا أن أزف النبأ الحزين لأولئك الذين يدعون لها بطول العمر والقوة، أنكم مثلي يا أصدقاء، القطيع العاجز الجائع. ولا خلاص لكم بمرافقة الذئاب.
من تلة الذئاب التي تجلس عليها سيدة الأعمال تلك ، توزع على السوريين الجنسية والإنتماء، أريد أن أزف إليها نبأً أيضاُ أنني علمانية بكل ما للكلمة من معنى، ولكني سورية ومنذ الاف السنين هنا ولم اخرج أنا ولا أسرتي إلى أي بلد آخر، ونعم أريد دولة تعطيني حقوقي كاملةً قبل أن يتم مساءلتي عن ديني وأفكاري، ألا تقوم هذه الدولة بالتمييز والإقصاء على أساس ماذا نعبد وماذا نلبس وما المجازات التي نستخدمها لنصور الخير والشر لأولادنا، أريد أن أقول لها أني لا أشبهك ولا أكل مثلك ولا أرتدي مثلك وأولوياتي مختلفة جذرياً عن كل ما تتخيليه وتتمنيه أنه يجب أن يكون أولوية لي ، وأن كان فصل الرجال عن النساء هو فضيلة باعتبارك، بينما تركبين سيارتك الخاصة ، فإني وأصدقائي نركب السرفيس، لا أريد دولة تجبرني على الدخول إلى الجنة عبر فصلي عن أصدقائي، أريد أن أصافحهم وأضمهم حين أراهم الشارع حتى لو أغضبك الأمر شخصياً!،
أريد أن أقول لها أني نسوية أيضاً بلا مواربة ولا مجاملات، وأفهم خصوصياتنا جيداً وأفهم أيضاً قيودنا و سلاسل سجوننا جيداً، وأعرف أذا لم تقم الفئات الاجتماعية بالوقوف والصراخ بما يريدون، فأن المتغلبون الجدد لن يفتحو كتاب السيرة النبوية ويقرأوا عمن كان يحارب في زمن الدعوة ويستنتجون أن وجود نساء في صفوف المقاتلين أو مداواة الجرحى وطبخ الطعام لهم، أن هذا يعني أوتوماتيكياً سماحهم مشاركة الفئات والنساء في حكم الدولة السورية ومؤسساتها او التواجد الحر في الفضاء العام، نساء الدولة السورية سيكنَ مختلفات ومتباينات في كل شيء فهل سيسمح المتغلبون لأمرأة لا تتبع النموذج الأسمى ان تشارك في تحديد مصيرها؟
رغبة سيدة الأعمال في (صهرنا) حسب تعبيرها لحماية الوضع الراهن، أيضاً هذه إحدى مصلحات دفاتر المحافظين ولكن نحن لدينا فرق جوهري بينما ما يدعون له وما يجب علينا اليوم ، فنحن لم نصل بعض لأي صيغة وضع راهن مستقر أدى لإزهار ما لكي يقوم محافظونا الجدد بالتشديد على فضيلة الدفاع عنه كما هو الحال في خطابات المحافظين في الغرب! اليوم نحن في القاع ، في الرقم صفر، جميعنا بكل اختلافاتنا علينا أن نمسك القلم والورقة ونرسم ما نريده من المستقبل لأولادنا وأحفادنا واستقرارنا فيما بينما وهذا لن يحصل بتوزيع الجنسيات منذ اليوم على من يشبهها فقط ،و لا يمكن اليوم أن تكون محافظاً على وضع راهن ليس موجوداً بعد، أو بما أنك لا تجد وضعاً سياسياً نجح برأيك في التاريخ المعاصر لسوريا فيصبح الوضع الذي يسوق له خطابك المحافظ هو النبش في الماضي السحيق أيام خلافة الرسول على قبيلته في الجزيرة ممزوجاً بتحويل كل شيء الى سلعة ورميه بالسوق ، مطلقاً على هذا الشكل من الحكم (خصوصية سورية مواكبة للحاضر) لتبرير هذه الخلطة العجيبة.
لكي نكون (شعباً واحداً) تحت العلم الأخضر ليس عليّ أن أكون ذئباً مثلك، ولا أن أكون خروفاً أقصى أحلامه أن يصبح ذئباً (بس الله يفتحا عليه) لذلك يستخدمه الذئاب لإسكات الخراف الأخرى إذا اشتكت. لا. على السيدة ومتابعينها أن يفهموا أن سوريا متنوعة وليست واحدة، ظروفنا، معتقداتنا، تقاليدنا، الكتب التي نقرأها، المبادئ والآمال التي ننتمي لها متباينة جداً وليس من الحسن بعد اليوم أن نستمر في الإسطوانة (واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد) هذه الشعارات من حيث لا يدري قائلها ترمي بمئات الشعوب السورية في البحر، على حساب شعب متخيل متجانس واحد يمثله من ينتمون بالولادة إلى دين يغض النظر عن اختلافاتهم ومميزاتهم فيما بينهم ، ولمن يريدون الاستمرار معنا (الخيار) بقصقصة جميع هذه الاختلافات الفردية والإبقاء على السمات التي تجعلهم أقرب ما يمكن إلينا نحن الذئاب على التلة.

Social Links: