من أجل بناء وعي مؤسساتي ومجتمعي صحي عن أمن المعلومات وحماية الخصوصية

من أجل بناء وعي مؤسساتي ومجتمعي صحي عن أمن المعلومات وحماية الخصوصية


حسن الخطيب


الدولة كجهاز إداري متمثل بحكومتها هي بنك معلومات مواطنيها بطريقة أو بأخرى، إذ تحتاج الدولة من أجل تسيير أعمالها في إدارة شؤون مواطنيها لأن تجمع معلوماتهم الشخصية ومعالجتها ومن ثم الاحتفاظ بها من أجل ضمان استمرار العمل. ولأن وظائف الدولة تختلف باختلاف مؤسساتها، فإن كل مؤسسة بحاجة لنوع وكم معلومات مختلف عن المؤسسة الأخرى وذلك لتنفيذ المهام المنوطة بها. ويقوم جمع المعلومات في هذه الحالة على مبدأ رئيسي: “المعلومة بقدر الحاجة” فعلى سبيل المثال قد تحتاج مؤسسة الأحوال المدنية لأن تحتفظ بكل المعلومات التي تخص المواطنين المقيمين في دائرة عملها فيما يتعلق الاسم الكامل، تاريخ الميلاد، مكان السكن والعنوان بالكامل، الحالة المدنية للشخص، عدد الأطفال وكل ما يتعلق بالحالة المدنية من معلومات والتي من شأنها أن تسهل عمل موظفي المؤسسة. لكن ليس من شأن دائرة الأحوال المدنية أن تجمع أو تحتفظ بمعلومات تخص عمل الشخص، حالته المادية أو حالته الصحية. في المقابل تحتفظ المؤسسات المالية والضريبية بالمعلومات المتعلقة بدخل الشخص وحياته المالية وكل ما ما من شأنه أن يُسهل عملها بتكليف الأشخاص ماليًا وضريبيًا.
وما تحتاجه المؤسسات الشرطية والقضائية من معلومات مختلف عن ما تحتاجه المؤسسات الأخرى من ناحية الحاجة الإضافية وزمان هذه الحاجة لجهة المعلومات الإضافية. إذ تحتفظ مراكز الشرطة بمعلومات أساسية عن المواطنين المقيمين في دوائر عملها، لكن يحق لها أن تحصل على معلومات إضافية عن سلوك أحد الأشخاص المشبوهين على سبيل المثال، شرط أن يكون هناك سبب واضح والحصول على إذن رسمي من الجهات القضائية المختصة في هذا المضمار. أما المؤسسة العسكرية فلا يجوز لها من حيث المبدأ جمع والاحتفاظ بمعلومات المدنيين باستثناء المخابرات العسكرية ودوائر التحقيق العسكرية ولغاية أمنية بحتة أو من أجل التحقيق بجرائم أو مسائل أحد أطرافها عسكري. أما المخابرات المدنية فلا يجوز لها من حيث المبدأ الجمع والاحتفاظ بمعلومات المواطنين، إلا أن عمل المخابرات المدنية قائم ليس فقط على جمع المعلومات ومعالجتها، إنما من الناحية العملية فإن المخابرات المدنية تجمع معلومات الأشخاص المشتبهين ومعلومات أشخاص غير مشتبهين مرتبطين بشخص مشتبه، كما لا يقف الحد عند جمع المعلومات الشخصية للمواطن، إنما يتعداها لجمع معلومات تخص سلوك هذا الشخص، وإجراء مزيد من التحريات ومقاطعة المعلومات بعضها مع بعض، وحفظ كل هذه المعلومات من أجل استدعائها كلما اقتضت الحاجة. إذ أن الواقع العملي للمخابرات المدنية يفرض تجميع أكبر قدر ممكن من البيانات حول شخص المشتبه دون تحديد هدف مسبق لهذه المعلومات ودون تحديد زمان محدد للاحتفاظ بها. ولا تُصرح عادةً المؤسسات المخابراتية بقيامها بذلك حتى لا تتعرض للمساءلة القضائية من جهة وحتى لا تُكبل أيديها بالإجراءات القانونية الملزمة بالحصول على إذن قضائي مسبق تجاه أي عمل من هذا النوع.
‎وتقوم الدول الحديثة بإنشاء مؤسسات حكومية تعمل على تأمين معلومات المواطنين التي تمتلكها الحكومة بمؤسساتها المختلفة وضمان عدم إساءة استخدامها وتُعرف هذه المؤسسات غالبًا باسم مركز أمن المعلومات أو فرع أمن معلومات. وتضطلع مؤسسات أمن المعلومات بوضع سياسة أمن المعلومات للجهات الحكومية بما يتوافق مع المعايير الدولية والعمل على تطوير الشرائع والأنظمة المحلية بما يتناسب وأعباء كل مؤسسة والمخاطر التي قد تتعرض لها. تُلزم مؤسسات أمن المعلومات المؤسسات الحكومية على عدم جمع أو الاحتفاظ بأي معلومات زائدة عن حاجتها لتسيير المهام المنوطة بالمؤسسة. كما تضع الإجراءات التي يجب أن تحقق التوازن بين سير العمل الحكومي وحفظ خصوصية المواطنين من خلال النص بشكل واضح على طرائق جمع المعلومات وحفظها ومن هم الأشخاص المخولين بالاطلاع عليها وكيفية استخدامها ومعالجتها، ومع من يمكن مشاركتها من المؤسسات الحكومية الأخرى وبأي غرض وكيف يتم مشاركتها ومن هو الشخص المخوّل في المؤسسة الذي يجوز له القيام بذلك. كما تحدد مؤسسات أمن المعلومات الآجال والمدد اللازمة التي يجب مراعاتها عند الاحتفاظ بالمعلومات ومتى وكيف يتم اتلافها عند انتهاء الحاجة منها. كما تُلزم مؤسسات أمن المعلومات الجهات الحكومية بالتبليغ عن أي حادثة تسريب بيانات لديها ويتم تبليغ ذوي الشأن من الجهات الحكومية المسؤولة عن التحقيق بحادثة تسريب البيانات، والأشخاص التي تم تسريب بياناتهم. وليس من السهل حصر كل المهام والمسؤوليات التي تقع على عاتق مؤسسات أمن المعلومات الحكومية بمختلف تسمياتها، لكن من المهم الوعي بأن هذه المؤسسات مهمتها بشكل رئيسي الحرص على تأمين معلومات المواطنين وعدم الاستهتار وإساءة استخدام هذه المعلومات من قبل الجهات الحكومية، وتحقيق التوازن بين سير العمل الحكومي وحفظ خصوصية المواطن. إذًا فإن مؤسسات أمن المعلومات من أجل خدمة المواطن لا من أجل التجسس أو تسهيل التجسس عليه
‎وخلال العقود الماضية من حكم الأسد الأب والابن تم خلق مفهوم اجتماعي ومءسساتي شاذ عن أمن المعلومات. إذ أضحت المصطلحات المرتبطة بأمن المعلومات مثل (فرع أمن المعلومات، شعبة أمن المعلومات، مركز أمن المعلومات…) مدعاة للخوف لدى السوريين وذلك على أثر تحويل هذه الجهات إلى مؤسسات بوليسية أمنية تجمع المعلومات عن سلوك المواطنين وطقوسهم الدينية، الاجتماعية والاقتصادية وآرائهم السياسية والفكرية بغرض ملاحقة كل من لا تتطابق سلوكياته وآرائه الشخصية مع أيدلوجية السلطة وسلوكياتها. اليوم وبعد سقوط نظام الأسد وتأكيد الحكومة الجديدة في سوريا على أهمية الانتقال من فكر الثورة إلى فكر الدولة، يمكن القول بأنه آن الآوان لبناء مؤسسات أمن معلومات حكومية تعمل من أجل تأمين معلومات المواطنين وحماية خصوصيتهم. وذلك يمكن تحقيقه من خلال البدء في بناء وعي مؤسساتي ومجتمعي صحي عن مؤسسات أمن المعلومات وحماية الخصوصية

  • Social Links:

Leave a Reply