ماركس ومفهوم التحالف الإيديولوجي

ماركس ومفهوم التحالف الإيديولوجي

الطبقة في حد ذاتها والطبقة لذاتها.

عبد المجيد طعام

المقصود بالتحالف الإديولوجي ، تعميم إديولوجية الطبقة المهيمنة على جميع الطبقات ، أي نشر هذه الأديولوجية بين كل الفئات الاجتماعية ولكن مع فارق مهم ، كيف ؟ البرجوازية تعيش أديولجيتها على أرض الواقع تمارسها في حياتها اليومية ، في المقابل تعيش الطبقة الكادحة الإيديولوجية البرجوازية على مستوى الحلم فقط ،وهذا ما ينتج عنه الاستيلاب . تعيش الطبقة الكادحة حالة الآستيلاب حينما لا تكون قادرة على الوعي بانتمائها الطبقي الحقيقي. لكن كيف يتحقق التحالف الديولوجي ؟ كيف تنجح البرجوازية في أن جعل الطبقة الكادحة تحمل إديولوجيتها ؟ يتحقق التحالف الإديولوجي المؤدي ‘لى الاستيلاب عبر قنوات وأدوات ووسائل مختارة بعناية كبيرة ، أثبتت نجاعتها عبر التاريخ ويمكن أن نحدد منها مايلي :

  1. الدين : في المجتمعات المتخلفة يمثل الدين أداة فعالة لتحقيق التحالف الإديولوجي ، يساهم بشكل كبير في تغييب الوعي بالانتماء الطبقي ، لأن الصراع يتحول من صراع بين مستغل ومستغل إلى صراع بين قيم الخير والشر ، الإيمان والكفر، الصدق والكذب … ألخ كما أن الدين يمرر إلى الطبقة المستغلة الكثير من المفاهيم الغيبية ، تؤدي بها إلى تقبل الواقع المزري . طبعا لا يمكن أن نحتج على الاستغلال ، إذا اعتبرنا أنه جزء من القوانين الربانية . يعتقد الفقراء أن مكانتهم أفضل من مكانة الأغنياء عند الله ، وعليهم أن يصبروا على الاستغلال الممارس عليهم لأن الله سيكافئهم على صبرهم ، ويمنحهم جنات تجري من تحتها الأنهار. بفضل تمرير هذا التصور ، تنجح البرجوازية في فصل الطبقات الكادحة عن الوعي بانتمائها الطبقي وتجعل الأفراد يقتنعون بأن ما يعيشونه من استغلال هو قدر وابتلاء رباني ، عليهم أن يقبلونه كما هو. وقد استغل رجال الدين هذا الوضع على إثقال المجتمع بالطقوس التعبدية والاعتماد على الأدعية . أصبح الفرد يبحث عن خلاصه الفردي ونجاته من عذاب القبر وليس من عذاب الاستغلال . الخطير في الأمر أن المتعلمين اقتنعوا بما يروجه تجار الدين ، ولم يستغلوا تعليمهم لمعرفة الميكانيزمات المتحكمة في المجتمعات القائمة على الاستغلال ، ولعل هذا التوجه الذي اعتمدته البرجوازية في تعاملها مع الدين ، هو ما دفع ماركس ليقول قولته الشهيرة : الدين أفيون الشعوب
  2. المدرسة : عبر التاريخ شكلت المدرسة أداة لتحقيق الوعي بالانتماء الطبقي ، لكن البرجوازية استحوذت على المدرسة ، ووجهتها لتحقيق التحالف الإديولوجي، ضربت أسسها وأهدافها وجردتها من المعنى، ومنعت المعرفة ، وأقصت الفلسفة ،وأبعدت المتعلمين عن أسس العقل النقدي . المدرسة والجامعة في بلادنا تخرج سنويا الآلاف من الأميين ويصيب الهدر المدرسي الالاف كذلك .
  3. كرة القدم : خطورة كرة القدم لا تقل عن خطورة الدين في تغييب الوعي بالانتماء الطبقي وتحقيق الاستيلاب ، لهذا تعتمد الكثير من الأنظمة الاستبدادية على هذه اللعبة لصرف الشعوب المستغلة عن مشاكلها الحقيقة ، والزج بهم في صراع وهمي يقع داخل رقعة الملاعب . أصبحت كرة القدم هي الموجه الرئيسي للوعي بعد الدين ، وأصبحت تخلق في نفس المشاهدين لذة وهمية بعيدة عن الواقع، ما يؤدي بنا إلى القول إن كرة القدم أداة من أدوات قمع الشعوب ، الانتصارات في هذه اللعبة لها نفس مفعول المخدر، تحفز إفراز الدوبامين في المخ ليتحرك هرمون السعادة الوهمية .

إضافة إلى العوامل المذكورة تملك البرجوازية العديد من الآليات لتحقيق التحالف الإديولوجي المغيب للوعي نذكر منها ، الإعلام عموما وخاصة التلفزيون والسينما وبعض أشكال الإنتاج الأدبي .

كل العوامل المذكورة وظيفتها العمل على إيقاف إدراكنا بانتمائنا الطبقي. ويمكن أن نمثل لهذا الاستيلاب الخطير ، بالمسلسلات التي تبثها القنوات الرسمية ، غالبا ما يتم تصوير أسرة تنتمي إلى الطبقة البرجوازية تعيش مشاكل لا نهاية لها ، البرجوازية لا تعيش تلك المشاكل، وأنما تسعى المسلسلات إلى إقناع الفقراء بأن حياتهم وعلى الرغم من فقرها الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والثقافي هي أحسن بكثير من حياة البرجوازية المثخنة بجراح المشاكل .تظهر البرجوازية في المسلسلات التلفزيونية غير سعيدة ، تجر وراءها أعباء مشاكل لا حصر لها. أكيد ان السيناريوهات المقدمة للمشاهد لا تعكس حقيقة الواقع البرجوازي ، إنها لحظات من الكذب والوهم يغيب فيها الواقع المأزوم . الحقيقة المغيبة أن البرجوازية لا تواجه نفس الواقع الذي نعيشه يوميا مع غلاء الخضر واللحوم والمواصلات وفواتير الماء والكهرباء التي لا تنتهي والقروض التي تتربص بنا . لابد أن نشير إلى أن برجوازيتنا تختلف عن البورجوازية الغربية لأن في بلادنا العربية عامة البرجوازية هي ذات أصول إقطاعية راكمت الثروة بطرق غير واضحة استفادت كثيرا من علاقتها بالمستعمر ومن اقتصاد الريع، تتهرب من دفع الضرائب ، تستغل النفوذ ،وقد لا تجد أي حرج في الاشتغال بالممنوعات. كما لدينا برجوازية صاعدة تتاجر بالدين وأخرى تتاجر بالقيم الإنسانية . إن الخطير في هذا الحلم البرجوازي المسيطر أن هناك كادحون أدخلوا كاميرات إلى بيوتهم وغرف نومهم وجعلوا من حياتهم الحميمية فرجة من أجل المال . يوجد الكثير من الأفراد يراكمون الثروة بهذ السلوك ، وهناك من دفعهم الحلم البرجوازي إلى إظهار أجزاء حميمية من أجسادهم أو أجسادهن من أجل تحقيق المال .

إن أدوات التحالف الإديولوجي البرجوازي تجعل الفقراء يعتقدون أنهم تحرروا من فئتهم الاجتماعية.، غير أن البرجوازية وبفضل هيمنتها على أوات الإستيلاب تغيب الوعي الطبقي وتوجهه لنحمل القيم البرجوازية في أرذل صورها ، ولنا في الكثير من رجال التعليم الذين يمتصون دماء أسرتبحث عن الدعم لأبنائها بأثمنة باهضة .

يرى ماركس أن الأيديولوجيا المهيمة في المجتمع الرأسمالي هي الأيديولوجيا التي تستفيد منها الرأسمالية، والتي تمنع البروليتاريا من الوصول إلى الوعي الذاتي. وهنا يأتي التمييز الذي أنشأه ماركس بين ما يسميه : الطبقة في حد ذاتها والطبقة لذاتها. الطبقة في حد ذاتها هي الطبقة كواقع موجود في المجتمع دون أن يكون لديها الوعي بكونها طبقة. أما الطبقة لذاتها فهي طبقة وصلت إلى الوعي الذاتي، ولديها وعي بمصالحها كطبقة اجتماعية، مما يمكنها من أن تنظم نفسها للدفاع عن مصالحها الطبقية. في المجتمعات الرأسمالية الحالية وفي مجتمعنا كذلك نسجل الغياب التام لمفهوم الطبقة لذاتها ليس لدينا الوعي بانتمائنا الطبقي نحن نجهل الآليات المتحكمة في علاقات الاستغلال . لقد بدأت أصوات الاحتجاج ترتفع في بلادنا نتيجة ارتفاع أثمان الخضر والمواد الغذائية الأساسية وراجت دعوات الخروج إلى الشارع للاحتجاج ، لكن كل دعوات الاحتجاج لا تتعدى المطالبة بتخفيض أثمنة الخضر والمواد الاستهلاكية الأساسية ، حينما تنخفض لسبب ما ، يخبو الاحتجاج ويغيب رغم أن البلاد تعاني من مشاكل خانقة في التعليم والصحة والشغل ، السبب هو غياب الوعي القادر على النظر إلى علاقات الاستغلال بشكل علمي.من هنا نخلص إلى القول بأن المفارقة الصارخة في المجتمعات الراسمالية يمكن أن نلمسها في غياب الوعي بالانتماء الطبقي لدى الطبقة الكادحة بينما تتمكن البرجوازية من وعيها الطبقي

  • Social Links:

Leave a Reply