“قانون الغَّلبة” لأين سيأخذ سوريا؟

“قانون الغَّلبة” لأين سيأخذ سوريا؟

المهندس سامر كعكرلي

سكرتير المكتب السياسي



بعد الحروب سواء بين الدول أو الحروب الأهلية وبعد الثورات سواء الشعبية أم العسكرية يظهر نظام جديد في الحُكم يسمى “قانون الغَّلبة” ويمكن تعريف هذا القانون على الشكل التالي:
((“قانون الغَّلبة” هو مبدأ يُبنى عليه الحكم بعد الصراعات أو الحروب، ويقضي بأن السلطة تُمنح لمن يمتلك القوة العسكرية أو الأمنية على الأرض، بغض النظر عن الشرعية الشعبية أو القانونية، ويُستخدم لتبرير الإقصاء القسري للمنافسين وفرض الأمر الواقع كمرجعية للحكم)).
ولنفهم “قانون الغَّلبة” جيدا يمكن أن ندرس باختصار بعض التجارب التي تم فيها تفعيل “قانون الغَّلبة” سواء فيما بين الدول المُتحاربة و”قانون الغَّلبة” في البلد الواحد بعد الحروب الأهلية أو انتصار الثورات.
في مجال الدول المًتحاربة: لعل أوضح تجربة لتفعيل “قانون الغَّلبة” كانت في معاهدة فرساي عام 1919 والتي وقعت بعد الحرب العالمية الأولى بين الدول المنتصرة بريطانيا وفرنسا وألمانيا كدولة منهزمة، حيث فرضت الدول المنتصرة شروطاً مُذلة على ألمانيا، وكانت نتيجة تطبيق هذا القانون إذلال قومي لألمانيا ساهم بصعود النازية التي أدخلت العالم بكارثة الحرب العالمية الثانية. وهذا ينطبق على الإمبراطورية العثمانية التي هُزمت أيضاً بنفس الحرب وتجربة معاهدة “سيفر” عام 1920، حيث فرض المُنتصرين تقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية واقتطاع بلاد الشام والعراق وأرمينيا وغيرها من الدول، وكانت نتيجة ذلك نهضة قومية بقيادة كمال أتاتورك التي قاد حربا أفضت إلى “معاهدة لوزان”. وأيضاً في العراق عندما أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية نظام “صدام حسين” تعاملت الولايات المتحدة الأمريكية مع العراق والعراقيين بموجب “قانون الغَّلبة”، حيث فرضت حاكم عام للعراق وهو “بول بريمر” الذي فرض دستورا” على العراق وكانت النتيجة فوضى عارمة في العراق تعيشها لغاية الآن ونتج عنها ظهور جماعات متطرفة مثل داعش والحشد الشعبي وهذه الكارثة.
أما في مجال الحروب الأهلية والثورات، فلعل تجربة الحزب الشيوعي السوفيتي أوضح تجربة على الحكم بموجب “قانون الغَّلبة” فعندما أطاح “لينين” بالحكومة الموقتة وحكم باسم الثورة والبروليتاريا لم يكن له أغلبية شعبية لذلك اعتمد لينين على الجيش الأحمر الذي هزم الجيش الأبيض التابع للحكومة الروسية المؤقتة وتم إنشاء جهاز “التشيكا” بمرسوم من “لينين” ليصبح هذا الجهاز أداة بيده لقمع المعارضين، واستمر القادة السوفييت بالحكم بموجب “قانون الغَّلبة” حتى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990، واستمر ربيب الحزب الشيوعي “فلاديمير بوتين” بالاحتكام على “قانون الغَّلبة” في حكم روسيا ولكن بطريقة ناعمة تتمثل في انتخابات مزورة، قتل عن طريق السُّم للمعارضين (أليكسي نافالني)، تحالف بين السلطة وجهاز المخابرات. ونتيجة هذا القانون الذي ورثه بوتين من أربابه الشيوعيين ها هو العالم يحبس أنفاسه على وقع الحرب في أوكرانيا .وأيضاً من تجارب الثورات التي حكمت بموجب “قانون الغَّلبة” ما يسمى بالثورة الإيرانية التي قادها الخميني عام 1979 تلك الثورة التي قام بها مجموع الشعب الإيراني وعلى رأسهم الحزب الشيوعي الإيراني (حزب تودة)، ضد قمع وفساد الشاه رضا بهلوي، ولكن تم امتطاء الثورة من قبل الملالي رجال الدين الذين استولوا على السلطة وقاموا بإعدام المئات ربما الآلاف وفرضت تلك الملالي الحكم على الشعب الإيراني بالنار والحديد وأنتجت أبشع ديكتاتورية أودت البلاد لشبه الإفلاس على الرغم من الموارد الضخمة التي تمتلكها إيران. وهناك تجربة حكم محمد مرسي في مصر أو بالأحرى حكم الأخوان المسلمين ولو كانت تلك التجربة قصيرة نوعاً ما ولكن أيضاً الأخوان المسلمين على الرغم بأنهم ليسوا هم من أطلق ثورة 25 يناير إلا أنهم استطاعوا وبفارق بسيط الوصول إلى سدة الحكم وبدأوا بموجب “قانون الغَّلبة” بأخونة مصر بمؤسساتها وكانت النتيجة هبة شعبية استغلها العسكر وعادوا لحكم مصر من خلال انقلاب عبد الفتاح السيسي. وهناك عشرات الأمثلة عن ذلك لا مجال لحصرها.
هذه الأمثلة لبيان أن كافة تلك التجارب التي اتبعت الحكم بموجب “قانون الغَّلبة” انتهت بكوارث، وهنا قد يقول قائل: هكذا هي سنن الحروب فالمنتصر يفرض أسلوبه ويحكم بموجب رؤيته التي أدت لانتصاره. ويمكنني الرد هنا بأن هذا ليس صحيحاً، فهناك تجارب عديدة لدول ولثورات مرت بظروف صعبة وانتهت بانتصار طرف، ولكن لم يحكم الطرف المنتصر بموجب هذا القانون مثل ألمانيا الغربية لم تُحكم بموجب “قانون الغَّلبة” من قبل الحلفاء (على عكس ألمانيا الشرقية) وأصبحت ألمانيا فيما بعد رابع اقتصاد في العالم. وهناك الحرب الأهلية في راوندا التي انتصر بها أغلبية “الهوتو” ولكنهم لم يلجوا إلى “قانون الغَّلبة” في حكم راوندا ومن ضمنهم أعداء الأمس قبيلة “التوتسي”، وتعتبر راوندا اليوم الدولة الأولى في أفريقيا من ناحية النمو. وهناك تجربة جنوب إفريقيا فلم يحكم الزعيم الإفريقي “نيلسون مانديلا” بموجب “قانون الغَّلبة”، وتعتبر دولة جنوب إفريقيا من الدول الرائدة في أفريقيا، وهناك الكثير من الأمثلة على عدم اتباع المنتصرين ل”قانون الغَّلبة” وتلك الدول ما زالت دولاً مستقرة وصاحبة نمو اقتصادي واجتماعي سريع.
هذا كان مقارنة بين عدة تجارب لاستخدام “قانون الغَّلبة” من عدمه ولكن ماذا عن سوريا فما هو وضع “قانون الغَّلبة” فيها؟
بالواقع سوريا حُكمت بموجب “قانون الغَّلبة” عدة مرات، ولكن سأذكر فقط خلال مرحلة حكم عائلة الأسد. فقد حكم حافظ الأسد سوريا بعد انقلاب عام 1970 بموجب “قانون الغَّلبة” بداية منذ أن فرض على الشعب السوري تسمية انقلابه العسكري بالحركة التصحيحة ومروراً بدخوله للبرلمان السوري باللباس العسكري والقسم بشرفه ومعتقده وكافة السوريين اكتشفوا فيما بعد بأنه لا يملك ذرة منهم، وبموجب هذا القانون تم فرض دستور على مقاسه وتم حكم البلاد بالنار والحديد. وامتلأت السجون حتى وصلنا لفترة ثمانينات القرن الماضي، خلال تمرد حركة الأخوان المسلمين التي انتصر أيضاً بها حافظ الأسد وقام بتشديد “قانون الغَّلبة” حيث شنت حملة اعتقالات طالت كل فئات الشعب السوري ولم تنحصر بالإخوان المسلمين لأن حافظ الأسد استغل “قانون الغَّلبة” لتشديد قبضته على عموم الشعب السوري. أيضاً استخدم حافظ الأسد “قانون الغَّلبة” عندما احتل لبنان في سبعينيات القرن الماضي حيث دمر لبنان بموجب هذا القانون عندما سلم لبنان لأقبية مخابراته ابتداء من غازي كنعان ورستم غزالة والتي قتلت واعتقلت واغتالت العديد وعلى رأسهم المرحوم كمال جنبلاط. وكانت نتيجة الحكم بموجب هذا القانون دمار سوريا ولبنان بكافة النواحي. أما بالنسبة لبشار الأسد فنعم لجأ للحكم بموجب “قانون الغَّلبة” الخاص به بعد أن مارس ميراثه من والده وقوانينه لغاية عام 2011 عندما اندلعت الثورة السورية العظيمة حيث أوجد لنفسه “قانون الغَّلبة” خاص به وذلك في عام 2016 عندما ظن بأنه انتصر على الثورة السورية عندما سقطت مدينة حلب بفعل الطيران الروسي، عندها بشار الأسد أعلن بأنه انتصر على ما كان يسميها بالمؤامرة الكونية، وقد تجلت ممارسات بشار الأسد في تفعيل “قانون الغَّلبة” على عدة مظاهر مثل ازدياد القمع والاعتقالات وزيادة وتيرة التهجير ولأهم زيادة الفساد وتجارة الكبتاغون، وأيضاً تجلى “قانون الغَّلبة” في تصرف بشار الأسد على الساحة السياسية منذ تعطيل اللجنة الدستورية والمماطلة بها وانتهاءً برفضه المبادرة العربية التي سميت خطوة بخطوة حيث تقدمت الدول العربية بخطوة نحو نظام الأسد عندما دعت بشار الأسد إلى مؤتمر القمة العربية في السعودية بالمقابل لم يقدم بشار الأسد أي خطوة مقابلها.
هذا بطرف نظام بشار الأسد ولكن هل تم تطبيق “قانون الغَّلبة” في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد؟ أقول وبمرارة للأسف نعم، فقد تم تفعيل هذا القانون من حال جبهة النصرة التي تحولت لهيئة تحرير الشام فقد حكمت إدلب عبر حكومة الإنقاذ بعد أن قضت على كافة فصائل الجيش الحُّر، وكانت نتيجة تفعيل هذا القانون انطلاق تظاهرات في كافة مدن إدلب الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام تهتف بإسقاط هذا الهيئة.
كل الأمثلة السابقة عن الحكم بموجب “قانون الغَّلبة” كان نتيجتها كوارث أو استبداد جديد وظهور ديكتاتورية جديدة أو فوضى ودمار للبلد بشكل كامل. والآن بعد سقوط نظام الأسد (ولنكن واقعيين بقرار دولي قاضي بإنهاء حكم عائلة الأسد وليس بانتصار هيئة تحرير الشام) هل يمكن حكم سوريا من قبل هيئة تحرير الشام بموجب “قانون الغَّلبة”؟؟
قد يكون من المُبكر الحكم على الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع بأنها ستحكم سوريا بموجب “قانون الغَّلبة”، مع أن المُعطيات على الأرض منذ شعار ((من حرر يقرر)) وشعار ((اذهبوا وأنتم طلقاء)) الذي طعن موضوع العدالة الانتقالية في مقتل، وصولاً لمؤتمر الحوار الوطني – الذي تمت هندسته بشكل لم يرضي الكثير من القوى الوطنية الديمقراطية السورية – وتشكيل الحكومة السورية والاعلان الدستوري ووصولا لأحداث الساحل السوري ومن بعدها أحداث السويداء وصحنايا وجرمانا كلها معطيات تدل بأن النية موجودة لدى حكومة دمشق بأن تحكم بموجب “قانون الغَّلبة” وهذا لن يؤدي بسوريا لدولة كما حلم بها ثوار عام 2011 بأن تكون سوريا دولة مدنية ديمقراطية.
وعلى الرغم من كافة أمثلة الكوارث التي كانت نتيجة الحكم بموجب “قانون الغَّلبة”، فقد يتحجج بعض مؤيدي السلطة الجديدة في سوريا (ولا سيما وأنهم مازالوا يعيشون فرحة النصر بالقضاء على دكتاتورية مجرمة أودت بحياة مئات ألوف السوريين وهذا حقهم)، بضرورة اللجوء لهذا القانون نظراً للإيجابيات التي قد تنتج عنه فهذا القانون يمكن أن يؤدي لاستقرار سريع بعد فوضى عارمة وهذا صحيح ومطلب السوريين، وقد يؤدي لفرض الأمن وهذا أيضاً صحيح ومطلب السوريين، ولكن في حال مقارنة الإيجابيات مع السلبيات نرى خطورة اللجوء لمنطق “قانون الغَّلبة” في سوريا ولا سيما وأن سوريا تتكون من نسيج اجتماعي ومذهبي وقومي واسع، وأن سلبيات هذه الطريقة بالحكم وأهمها انعدام الشرعية الشعبية وقمع المعارضين والمختلفين مما يؤدي لظهر استبداد جديد مما يؤدي لاحتمالية استمرار الصراع مع السلطة وهذا يؤدي لضعف الأداء المؤسساتي في بلد تعتبر المؤسسات شبه منهارة، وأخيرا لا بد من التذكير بأن اللجوء للحكم بموجب “قانون الغّلبة” قد يؤدي لازدياد العزلة الدولية ومنع رفع العقوبات الجاثمة على صدر أي تنمية مرادة لسوريا.
وهنا لا بد من التأكيد على الشعب السوري وقواه الوطنية الديمقراطية أن تُحذر السلطة الحاكمة في سوريا بأنه لا يجوز الحكم بموجب “قانون الغَّلبة” لأنه ستكون نهايته كما نهاية كل التجارب التي سبقتها ولن تكون سوريا في حال تطبيق هذه الطريقة بالحكم استثناء عن كافة التجارب العالمية والإقليمية والمحلية المُماثلة.

  • Social Links:

Leave a Reply