الغوص داخل عقل ترامب حين يتحدث عن أحمد الشرع

الغوص داخل عقل ترامب حين يتحدث عن أحمد الشرع

شعبان عبود

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول الرئيس السوري أحمد الشرع بعد لقاءه معه في السعودية، موجة من التفاعلات السياسية، لما تحمله من إشارات تتجاوز المجاملة الدبلوماسية .

في حديثه المقتضب، لكن المحمّل بالدلالات، رسم ترامب ملامح رؤيته للزعيم السوري الجديد بعبارات مثل “صاحب ماضٍ صعب”، و”شخص قوي”، و”أعجبني جدًا”، مع تعهّد مشروط بـ”منحه فرصة لإثبات نفسه” من خلال تخفيف العقوبات.

فما الذي تخفيه هذه التصريحات؟ وهل يعوّل ترامب بالفعل على الشرع لقيادة مرحلة جديدة في سورية؟ وما الأبعاد السياسية والاستراتيجية الكامنة خلف هذا الموقف الأميركي غير المتوقع.
من أبرز ما قاله ترامب عن الشرع : “هو صاحب ماضٍ صعب، لكنه أعجبني جداً…”

هذه العبارة تفتح بابًا مهمًا في فهم مقاربة ترامب، وربما التيار السياسي الذي يمثله، تجاه الشرق الأوسط. فبدلًا من اعتبار الخلفية التنظيمية الإسلامية المتشددة لأي زعيم جديد عائقًا أمام قبوله دوليًا، يرى ترامب أن “الماضي الصعب” قد يكون مؤهلًا للقيادة في منطقة متخمة بالتعقيدات والانقسامات.

بهذا المعنى، فإن ترامب يعيد تعريف مفهوم “الشرعية السياسية” ليس على مقدمات صندوق الاقتراع أو الأسس الديمقراطية أو الحقوقية، بل على قاعدة البقاء والقدرة على الإمساك بالسلطة في بيئة مضطربة. إنه نهج واقعي يتجاهل الاعتبارات والقيم والمعايير السياسية الغربية لصالح الكفاءة السلطوية، لكنه يعكس طبيعة تفكير ترامب كرجل صفقات أكثر منه رجل مؤسسات.

وعليه فإن الإعجاب بالقوة هو معيار التقييم الترامبي، يتجلى ذلك واضحا في قوله:
“لا يمكنك أن تكون شخصاً ضعيفاً. إن كنت شخصاً ضعيفاً فذلك يعني أننا نضيع وقتنا…”
يضع ترامب هنا “القوة” معيارًا وحيدًا لقياس الزعماء.
ليست الديمقراطية، ولا الإصلاح السياسي، ولا المصالحة الوطنية. فقط “القوة”. وهذا يتسق مع تاريخه في مدح قادة مثل كيم جونغ أون، وفلاديمير بوتين، وحتى أردوغان، حين قال إنه “يعرف كيف يحكم”.

هذا الإعجاب ليس عشوائيًا؛ إنه مرتبط بمبدأ “رجل واحد قوي يستطيع فرض الاستقرار”، حتى إن كان ذلك على حساب التعددية. بالتالي، فإن ترامب لا يرى في أحمد الشرع تهديدًا محتملًا، بل شريكًا محتملًا “قويًا بما يكفي” لعقد صفقات كبرى، مع إسرائيل ربما، وربما مواجهة النفوذ الإيراني أو إعادة هندسة النظام السياسي السوري.

لكن ذلك الإعجاب بالقوة ليس وحده الحاضر في خطاب ترامب ، هناك سياسة الجزرة و العصا، ففي
أحد أكثر الأجزاء أهمية في تصريحاته يقول ترامب:
“ولكننا سنعطيه فرصة لإثبات نفسه عن طريق رفعنا للعقوبات.”
وهنا يظهر استخدام ذكي لورقة العقوبات كأداة تفاوضية. فترامب لا يرفع العقوبات جزافًا، بل يريد أن يحوّلها إلى حافز لتغيير السلوك، سواء داخليًا فيما يخص حقوق الإنسان، والانتقال السياسي أو خارجيًا في ما يخص تحالفات سورية الإقليمية. إنها دعوة غير معلنة لـ”صفقة جديدة”.
يبدو واضحًا أن الخطاب لا يخاطب فقط السوريين أو الشرع نفسه، بل يرسل إشارات إلى أطراف متعددة:
• الداخل الأميركي: حيث يحاول ترامب التمايز عن الإدارات السابقة التي فشلت في حل المسألة السورية، ويقدم نفسه كصانع سلام قادر على التعامل مع الرجال الأقوياء.
• روسيا وإيران وإسرائيل : وكأن ترامب يقول: نحن من نقرر رفع العقوبات وليس أنتم، “إسرائيل المقصودة” ومن نمدّ له اليد هو من يثبت لنا أنه حليف محتمل وليس مجرد تابع ” لطهران أو موسكو” .

رغم الإعجاب بشخصية الشرع، يختتم ترامب بتعبير مفتوح: “ولكننا سنعطيه فرصة… ولننتظر ونرى.”
هذا التعبير لا يعكس ترددًا، بل يضع إطارًا مرنًا للتراجع أو التقدم بناءً على التطورات. إنها استراتيجية الاختبار تحت المجهر، والتي تعتمد على خطوات صغيرة قابلة للتعديل.

  • Social Links:

Leave a Reply