عبد الكريم خشفة
بعد جدل طويل مع النفس، وكثير من الحسابات الدقيقة، قررت أن أشتري نصف وقية من القهوة، نعم… فقط نصف وقية!
القهوة أصبحت من الكماليات في زمن الغلاء، لكنها ضرورية، خاصة في صباحات الأعياد، لتكتمل بهجتنا المنقوصة.
أحضرت الدفتر القديم، وبدأت أقلب الصفحات بحثًا عن بقايا ورقة نقدية كنت قد خبأتها سابقًا، أو ربما كنت أتوهم وجودها.
فجأة، وقعت يدي على عملة معدنية قديمة… “عملة تذكارية” أعطاني إياها أبي، قال لي: “احتفظ بها، قد تنفعك يومًا ما”،
ضحكت يومها، لكنها اليوم فعلاً نفعتني!
ذهبت إلى دكان “أبو سمير”، أعرج المكان الوحيد في الحي الذي لا يزال يطحن القهوة،
قلت له بثقة:
– نصف وقية قهوة رجاء، مع شوية هيل…
نظر إلي كمن ينظر إلى طفل جاء يطلب بالونات في جنازة، لكنه لم يعلّق، بل بدأ يجهّز الطلب.
عدت إلى البيت، والكيس الصغير بحجم كفّ يدي، تحسسته كل عشر خطوات، كأنه كنز أثري.
وعند عتبة الباب…
انزلقت رجلي بشيء مبلّل، وسقطتُ أرضًا، وتبعثر كل شيء…
ورأيت الكيس يتطاير كريشة في مهب الريح، ثم يقع بثقله في بركة ماءٍ آسنٍ خلف الحائط!
بقيت أراقب الكيس كمن يراقب غريقًا لا يملك له نجاة، ثم انفجرت بالضحك!
ضحكتُ حتى دمعت عيناي،
دخلتُ البيت، ومسحت الطين عن كُمّي، وقلت لزوجتي:
– لا بأس، حضري لنا شايًا ساخنًا…
سنقول للضيوف إنه “أطيب من القهوة!”.
ثم جلست على الأريكة، وقلت في سرّي:
الحمد لله أن الكيس لم يسقط قرب أحد الكلاب، بل سقط قرب قلبي مباشرة…
وعرفت أن طعم العيد، ليس في القهوة، بل فيمن تشاركهم الشاي.

Social Links: