فرح العاقل

من الصمت إلى الضجيج… ومن الخوف إلى حيرة الكلمة
مع سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024، بدا وكأن الإعلام المحلي سيتحرر أخيراً من قيوده الحديدية، لينطلق نحو فضاء حرية التعبير، والمساءلة، ونقل صوت الناس من دون خوف. لكن بعد مرور أكثر من ستة أشهر، يجد الإعلاميون السوريون أنفسهم في مفترق طرق: تطلعات كبيرة تقابلها تحديات قاسية، وساحة إعلامية تتخبط بين الحماسة العفوية، والانقسام السياسي، وغياب الأطر الناظمة.
بانهيار النظام، انهارت معه مؤسسات الإعلام الرسمي التي طالما شكّلت أدوات دعاية أكثر من كونها منصات إخبارية. لكن عددًا من العاملين في “الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون” و”وكالة سانا” وجدوا أنفسهم أمام خيارين: مغادرة المهنة أو إعادة التموضع في مؤسسات جديدة. اللافت أن بعض تلك المؤسسات القديمة أعادت تشكيل نفسها بخطاب “وسطي”، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التغيير الحقيقي، وهل تغيّرت البنية أم فقط اللغة؟
خلال السنوات الماضية، وخصوصاً بعد الثورة، نشأت عشرات المبادرات الإعلامية المستقلة داخل سوريا وخارجها. وبعد سقوط النظام، تنفّست هذه المبادرات الصعداء، وبدأت بالظهور إلى العلن دون الحاجة للعمل السري. لكن المشهد ليس وردياً. معظم المشاريع الإعلامية تعاني من نقص التمويل أو تعتمد على دعم خارجي مشروط، الأمر الذي يهدد استدامتها واستقلالها. كما يتأرجح الإعلام بين ولاءات محلية أو حزبية أو حتى طائفية، ما يحدّ من قدرته على لعب دور وطني جامع. وبينما زال الخوف من الرقابة الأمنية المركزية، إلا أن تهديدات من جماعات محلية مسلحة ما زالت تُلقي بظلالها على عمل الصحفيين، خصوصاً النساء، اللواتي يواجهن تحديات إضافية تتعلق بالسلامة الشخصية والوصمة المجتمعية.
مع افتقار البلاد لمؤسسات صحفية مهنية حقيقية، ظهر تحدٍ كبير يتمثل في غياب المعايير المهنية، والمساءلة الأخلاقية، والتدريب المستمر. الكثير من المحتوى المتداول اليوم أقرب إلى “الرأي والتجييش” منه إلى “التحقيق والحقائق”. كما أن الصحافة الاستقصائية ما تزال شبه غائبة نتيجة المخاطر وضعف القدرات التقنية، وسط غياب بنى تحتية داعمة كالمنصات المخصصة للنشر الآمن أو فرق التحرير المحترفة.
في المقابل، ظهرت أصوات نسائية شجاعة تروي قصص القمع والمقاومة، وتؤسس لمنابر إعلامية نسوية بعد أن كانت تختبئ تحت أسماء مستعارة. لكن هذه الأصوات لا تزال تواجه تحديات مزدوجة: اجتماعية من المجتمع المحلي الذي لا يتقبل بسهولة النساء في أدوار قيادية، وأمنية من جهات ترفض تمكين، النساء أو تعتبر الإعلام النسوي تهديداً. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن سقوط النظام فتح نافذة تاريخية أمام النساء للعمل الإعلامي دون وصاية أو رقابة.
رغم كل ما سبق، بدأت تظهر تجارب واعدة في الإعلام المحلي، مثل منصات مجتمعية تنقل صوت الناس وتغطي قضاياهم اليومية، يقودها شباب صحفيون عائدون من المنافي، إضافة إلى تعاون بين صحفيين من خلفيات مختلفة يعملون على إنتاج تحقيقات مشتركة عن الفساد والانتهاكات، في محاولة لتجاوز الانقسامات السياسية والمناطقية.
المشهد الإعلامي في سوريا ما بعد النظام يشبه طفلاً يحاول تعلّم المشي بعد سنوات من القيد. نعم، هناك حرية نسبية وفضاء واسع غير مسبوق، لكن من دون منظومة أخلاقية ومؤسسات تدريبية، ومن دون حماية حقيقية للصحفيين، فإن هذه الحرية مهددة بالفوضى أو الاستغلال. الرهان اليوم على بناء إعلام سوري حر، مهني، ومستقل… إعلام لا يخدم السلطة، بل يخدم الحقيقة.
ومن هذا المنطلق، يبرز عدد من التوصيات التي قد تسهم في توجيه الإعلام السوري نحو طريق أكثر نضجًا واستقلالًا، من بينها: إنشاء مجلس وطني مستقل للإعلام يضم صحفيين من مختلف المناطق والخلفيات، دعم تدريبات مهنية طويلة الأمد للصحفيين الشباب، خصوصًا في الصحافة الاستقصائية، العمل على مدونة سلوك إعلامي تشمل مبادئ النزاهة، والحياد، والتمثيل العادل للمجتمع السوري، وأخيرًا تمكين الإعلاميات السوريات في مواقع اتخاذ القرار داخل المؤسسات الجديدة، لا فقط في واجهة الشاشات.
سوريا تتغير، وتاريخها يُعاد كتابته. فهل سيكون الإعلام السوري شاهدًا حرًا على هذه اللحظة، أم مجرد انعكاس لصراعاتها الجديدة؟

Social Links: