سامر كعكرلي
سكرتير المكتب السياسي في
حزب اليسار الديمقراطي السوري
منذ انطلاق الثورة السورية في منتصف آذار 2011، رَفَعَت قِوى سياسية مُتعددة شِعارَ “الديمقراطية” كَبَديل لنظامِ الأسدِ الاستبدادي. إلا أنَّ هذا الشِعار، عَلى أهميتهِ، سِرعانَ ما تحوّل إلى عَباءةٍ تَلتفَ بها قِوى مُتناقضة، بَعضها لا يُّؤمن به في الجوهرِ، وبَعضُها الآخر يَستخدِمَهُ فقط لتغطيةِ أجنداتٍ فئويةٍ أو نُخبويةٍ. في هذا المشهدِ المُّربك، يَبرُز اليَّسار الديمُقراطي، كتيارٍ يحملُ مَشروعاً واضِحاً للديمُّقراطية الحَقيقية المُرتبطةِ بالعدالةِ الاجتماعيةِ، وليسَ مُجرّد آليةٍ للحُّكم أو واجهةٍ سياسيةٍ.
لا أُّنكر، وليسَ باستطاعةِ أحدٍ أن يُّنكِرَ، بأنَ شعارَ “الديمُّقراطية” قَد تَمَ رَفعَهُ في مختلفِ التياراتِ السياسيةِ مع اختِلافاتِها الإيديولوجيةِ، ولكنَ لكُّل تَيارٍ كانَ لَهُ أفكارِهِ الخاصةِ بهذا الشعار، فَلَقَد دَخلت تَيارات الإسلامِ السياسي، ((وعلى رأسِها جَماعة الإخوانِ المُّسلمين))، على خَطِ الديمقراطيةِ كشعار، لكنّها في الوَاقعِ لم تتخلّ عن مَنطِقِ “الشُّورى”، الذي لا يُلزم الحَاكِمَ بقرارِ الجماعةِ أو الشعبِ، ويُبقي على بُّنية الحُّكم الفَردي المُقدّس. ورَغمَ مُحاولاتِ التجميلِ والمُّناورةِ، يبقى جَوهرَ فِكرِهِم بعيداً كُّل البُّعد عن القِيم الديمُّقراطيةِ التي تَقوم على المُحاسبةِ والاحتكامِ إلى الشعبِ وحُقوقِ الأفراد، لا على “طاعة أولي الأمر”. سواء مُرشد أو خليفة أو شيخ.
أما التياراتِ الليبراليةِ، فَبالرغمَ من دِفاعِها عن الحُريات والديمُقراطية، إلا أنها تَميلُ غَالباً إلى التَحالفِ مع مصالحِ الطَّبقاتِ الغَنيةِ والمُّتحكمةِ بالثرواتِ، سواءً في الداخلِ السوري، أو في ارتباطاتها الإقليمية والدولية. فهي تَتَعاملَ مع الديمُّقراطيةِ كَحُريةٍ للأسواق، قبل أن تكونَ حُريةٌ للناسِ، وتُركّز على الحقوقِ الفَرديةِ بمعزلٍ عن الحقوقِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ، مما يَجعَلَها عاجزةٌ عن مخاطبةِ مَلايينِ الفُقراءِ والمُهمّشين في المُجتمعِ السوري.
وبالنسبةِ للتياراتِ القَوميةِ، سَّواءً العربيةَ أو الكُّرديةَ، فإنَ تركيزَها الأساسي مُنصبّ على قَضايا الهَويةِ والانتماءِ القومي، وهو أمراً مَشروعاً من حَيثُ المَبدأ، لكِنهُ يُقصي أحياناً بَقيةِ المُّكوّناتِ الوطنيةِ، ويَختَزِل الديمُقراطية في مَساحةٍ ثقافيةٍ ضيقةٍ، تغيبُ فيها أولوياتِ العَدالةِ الاجتماعيةِ، وتُهمّش فيها قضايا الفَقرُ والبَطالةِ وتوزيعَ الثروة.
في مقابلِ كُلِ ذلك، يَتميّزُ اليَسار الديمُّقراطي السوري، بأنهُ الوَحيد الذي يَربُط ما بينَ الديمُقراطيةِ والعَدالةِ الاجتماعيةِ، فهو لا يرى الديمُقراطية مُجردِ صناديقَ اقتراعٍ، بَّل مَنظومةٍ مُتكاملةٍ تَضمنَ كرامةَ الإنسانَ، وحقهِ في العملِ والسكنِ والتعليمِ والصحةِ، وهو التَيار الوَحيد الذي يقفُ علناً إلى جانبِ العُمالِ والفلاحين والنساءِ والأطفالِ والفئاتِ الضعيفةِ في المُّجتمع، ويُّطالبَ بإعادةِ توزيعِ الثروةِ الوطنيةِ، وكَّسرِ احتكاراتِ الاقتصادِ والسلطةِ، أياً كان شكلِها أو انتماؤها.
هذا اليسار لم يتورطَ في الفسادِ ولا في خدمةِ النظامِ، كَما فَعَلت الأحزابِ “الشيوعيةِ” التَقليديةِ، التي ارتضت أن تكونَ أذرُعاً أيديولوجيةً لأجهزةِ الأمنِ، ولم يُّساومَ هذا اليسار على دماءِ الشهداءِ، بَّل بقِيَ مُنسجماً مع مبادئ الثورةِ، ووفياً لهدفِها الأساسي: بناء سوريا حُّرة ديمقُّراطية عادلة، تكون لكُّل أبنائها، لا لفئةٍ أو طائفةٍ أو طبقةٍ.
وأمامَ هذا الواقعَ يبقى السُؤال عن سببِ انحسارِ دَورِ اليَّسار الديمُّقراطي في المُجتمعِ السوري، وفي بعض الأحيان تَحولَ صفةِ اليساري إلى مَّسبةٍ، سؤالاً مشروعا ً؟ هل يُمكِنُنا إرجاعَ ذلكَ لموقفِ بعضِ اليساريين الانتهازيين، الذين اصطَفوا بجانبِ نظامِ الاستبدادِ؟ لا أعتقُد ذلكَ لأنه في كل الإيديولوجياتِ كانَ هُناك فِئةٍ انتهازيةٍ اصطفت مع نظامِ الاستبدادِ، فَبعضُ الإسلاميين اصفوا مع نظام “بشار الأسد” المَخلوع مِثلُ مَشايخ دِمشق وحَلب وغيرهم، حتى أن الشعبَ السوري الثائر أسماهم “بشيوخَ السلطانِ” أو “مَشايخ الرز بالحليب”، أيضاً هناك ممن يَحمِلونَ الفكرَ القَومي سواء عرب أو كُّرد اصطفوا مع الاستبداد والشعب السوري لن ينسى موقف العروبيين سواء في سوريا أو لبنان أو مصر أو تونس كيف كانوا يدافعون عن المجرم بشار الأسد، أما الليبراليين فأيضاً الكثيرُ مِنهم وقفَ مع نظامِ الاستبدادِ، ولن نَنسى مَواقفَ تُجار دِمشق وحلب وحمص، وكل مُدن سوريا كيف أنهم ساندوا نظام الإجرام وأحياناً زوده بالمال لقمع ثورة الشعب السوري. لذلكَ يبقى السؤال: ما هو السببَ الحَقيقي لانحسارِ دَورَ اليسار الديمُّقراطي في المُجتمع السوري؟
وللرد على ذلك أرى بأن هناكَ سَبَبين وهما بالحقيقة عَثرتين أمام اليَسار الديمُّقراطي في سوريا، والسببين عائدين لمنبتين مُختلفين. السبب الأول مسؤول عنهُ بالكامل التيارات الإسلامية في سوريا، وفي العالم العربي عموماً، وهو أنه لَطَالَمَا وُجّهت إلى اليسار في العالم العربي عموماً، وسوريا تحديدًا، اتهاماتٌ بالكفرِ والإلحادِ، وهي تهمٌ مُغرضةٌ، لا تَستند إلى فهمٍ حقيقيٍ لمبادئ اليَسار الديمُّقراطي، الذي يَحترمُ كافةِ المُعتقداتِ الدينيةِ، ويَحترمَ حَّق كُلِ فردٍ في الإيمانِ أو عَدَمِهِ، لكنهُ يَرى بأنَ الدَّين يَجب أن يَبقَى خارجَ دائرةِ الصراعِ السياسي، وأن الدولةَ، لكي تكون عادلةُ ومنصفةُ، يجب أن تكونَ مُحايدةً دينياً، وتَقِفَ على مسافةٍ واحدةٍ من جميعِ الأديانِ والمَذاهبِ، هذا لا يَعني إنكارَ دورِ الدينِ في حياةِ الناسِ أو ثقافةِ المُجتمعِ، بل يعني رفضَ استخدامِ الدينِ كأداةٍ للهيمنةٍ السياسيةٍ، أو التمييزَ بينَ المُواطنين. وللحق أقول: أن تشويهَ صورة اليسار بهذِهِ الاتهامات يرجِعُ في جزءٍ منه إلى أخطاءِ الأحزابِ الشيوعيةِ التقليديةِ، التي تبنّت الفكر “اللينيني” بشكلٍ جامد، دون مُراعاةِ الخُصوصيةِ الدينيةِ والثقافيةِ للمُجتمعِ السوري، مما خلقَ فَجوةٍ بينها وبين قطاعاتٍ واسعةٍ من الشعب.
أما اليسار الديمقراطي اليوم، فقد تجاوز هذا الإرث، وأعاد تعريف نفسه كتيار يؤمن بحرية المُعتقد والمساواة، ويرى أن فصل الدين عن الدولة هو ضمانة لحرية الجميع، لا عداء للدين ذاته. وأن الدين لله والوطن يجب أن يتسع للجميع.
أما السبب الثاني فهو ما رَّوجت له بعضُ التياراتِ الليبراليةِ سواءً في سوريا أو في عمومِ العالمِ العربي ( وهذا أيضاً تم بالتحالفِ مع التياراتِ الدينيةِ)، والتي كانت، وما زالت، تَخشى من سيطرةِ الأفكارِ اليساريةِ، ولا سيما بطريقةِ إدارةِ الاقتصادِ، التي لا تَرُق لتلكَ التياراتِ نظراً لأنها تتضاربَ مع مصالِحَها، ومَفاد رؤية هؤلاء بأن اليَّسار مُرتبط بفكرةِ الاشتراكيةِ، وعَمليات تَأميمٍ جائرةٍ، وقيادةِ الدولةِ لكُلِ المَفاصلَ الاقتصاديةَ في الدولةِ، على غرارِ تجربةِ الاتحادِ السوفييتي، الذي سقطَ وسقَطَت معهُ نَظريةِ الاشتراكيةِ، التي تَعني استلاء الدولةُ على كُّل مَفاصِلَ الإنتاجِ بالدولةِ واحتكارها. ولكن ما لا يُدرِكَهُ السوريين، أو بالأحرى لا يُّريدونَ لهُ أن يدركهُ، بأنَ تيار اليَّسار الديمُّقراطي، قد فَهِمَ بوضوحٍ التغيراتُ التي طَرأت على الأوضاعِ العالميةِ، ولا سيما بالنسبة للاقتصاد، وأن هذا اليَسار الديمُّقراطي المُعاصر لا يُطالبَ بالضرورةِ بسيطرةِ الدولةِ الكاملةِ على الاقتصادِ، وإنما يُؤمن بنموذجِ الاقتصادِ المُّختلط، حَيثُ تَكون هُناك قاعدةٍ صناعيةٍ وخدميةٍ مُهمةٍ تحتَ إدارةِ الدولةِ، لضمانِ العدالةِ وتَوفيرِ الخَدماتِ الأساسيةِ للمواطن (الصحة، التعليم، الضمان الاجتماعي، النقل العام، التعليم، البنية التحتية. الخ). وأن يبقى القِطاعَ الخاص مَوجُوداً، لكن ضِمنَ إطارٍ تنظيميٍ وقانونيٍ صارمٍ، يمنعُ الاحتكاراتَ، ويحدُ من الفَوارقَ الاجتماعيةِ الكبيرةَ، وأن تُعاد تَوزيعَ الثرواتِ عَبرَ سياساتٍ ضريبيةٍ عادلةٍ، وبرامجَ اجتماعيةً لحمايةِ الفئاتِ الضعيفةِ، ولضمانِ تكافُؤ الفرص. وبهذا النموذج، تظَّل الدولةُ “مُنظِمة” و”مراقبة” وليس بالضرورة “مُسيطرة” كاملةً على الاقتصادِ. أي أن اليَسار الديُّمقراطي يُؤمن بأنَ التوازنُ ما بينَ مُختلفِ القطاعاتِ الاقتصاديةِ ضروري جداً في بناءِ سوريا بعدَ سنوات الاستبدادِ والحربِ والتدمير، وأنَّ مَكمَنَ ضَرورةِ التَوازن هو أن سوريا بحاجةٍ إلى دولةٍ قويةٍ قادرةٍ على إعادةِ البناءِ، وتوفيرِ الخدماتِ، وتأمين فُرصِ العملِ، وحمايةِ الطبقاتِ المُّهمَشةً، وهذا لا يتحقق دونَ دورٍ فعالٍ للدولةِ في الاقتصادِ. وفي الوقتِ نفسهِ، القِطاعُ الخاص مهمٍ جداً لإعادةِ النشاطِ الاقتصادي، جذبُ الاستثمارات، تحفيزَ الابتكار. وأنَ الدولةُ لا يجب أن تكونَ تاجرةٌ، لكنها حارسةٌ للمصلحةِ العامةِ، تضع قَواعِدَ اللُّعبة، وتضمن تطبيقها بشفافيةٍ وعدالةٍ.
أما فكيفَ يُريدَ اليَسار الديمُّقراطي تَحقيقَ هذا التَوازنَ الهام بالنسبةِ للاقتصاد الوَطني، فأنهُ يَدعو إلى اقتصادٍ مُختلطٍ، يحترمَ السوق، ولكن ينظمّه بفعاليةٍ، ويمنعَ الاحتكاراتِ ويُحققَ العدالةَ الاجتماعيةَ. ويُؤمن بأنَ دورَ الدولةِ في الاستثمارِ العام، والبنيةُ التحتيةُ والخدماتُ، هو أساسِ لبناءِ مُجتمعِ مُتماسكٍ، يرفضَ النظامَ الاشتراكي المَركزي المُخطط بشكلٍ صارمٍ، ويَدعو إلى مرونةٍ اقتصاديةٍ مع ضمانِ الحمايةِ الاجتماعيةِ. ويُمكن أن نَختَصرَ كُّل ذلك بجملةِ مفادُها أن اليَسار الديمُّقراطي يَجمع ما بينَ المبادِئ الاشتراكيةِ في العدالةِ والكرامةِ الاجتماعيةِ، وبين مُتَطَلباتِ العصرِ الحديثِ والاقتصاد الحُّر المُنظم.
من هنا، فإن وجودَ يسارٍ وطنيٍ ديمقراطيٍ في سوريا ما بعد الأسدِ، ليسَ خياراً سياسياً فَحسب، بل هو ضَرورةً وطنيةً وأخلاقيةً، لأن سوريا لن تُبنى على أنقاضِ الاستبدادِ فقط، بل يجبُ أن تُبنى أيضاً على أنقاضِ الفقرِ والتَهميشِ والتفاوتِ الطَبقي والتمييزُ الجَّندري والاحتكارِ الاقتصادي.
هذا هو الفَرقُ الجَوهري، وهو ما يجعلَ اليَسار الديمُّقراطي، أملاً حقيقياً لسوريا جديدة، تَستَحق أن تَعيشَ بحريةٍ وكرامةٍ وعدالة.
09/07/2025

Social Links: