سورية فوق الطوائف “حين يكون التلاحم المجتمعي رأسمال الوطن”

سورية فوق الطوائف “حين يكون التلاحم المجتمعي رأسمال الوطن”

أ. محمد نور الموسى

حين تتفكك الشعوب، لا يكون السبب قصف الطائرات ولا حصار الجوع، بل يبدأ الانهيار الحقيقي حين يُنحر الوعي بسكّين الطائفية، ويتحول الشقيق إلى خصم، والجوار إلى خصومة. ومن هنا، فإن أولى خطوات الخلاص الوطني تبدأ بنبذ الطائفية، لا بوصفها مجرّد خطاب أخلاقي، بل باعتبارها ضرورة استراتيجية لبقاء الدولة السورية واستعادة قوتها.

لقد أدرك السوريون، عبر أكثر من أربعة عشر عاماً من الألم والنزف، أن الطائفية ليست هويةً تُعتز، بل فخٌ يُنصب لهم كلما اقتربوا من ملامسة حلم الدولة. وإن كان من أمرٍ لا يختلف عليه اثنان، فهو أن الطائفية كانت ولا تزال الحاضن الأول للفوضى، والسياج الذي تتسلل من خلاله مشاريع التقسيم، والأداة الأنجع التي استخدمها المتربصون بسورية لإفراغها من جوهرها (مجتمعها المتماسك).

ولا يغيب عن القارئ الحصيف أن الدول لا تنهض فقط بمواردها الطبيعية أو جيوشها المنظمة، بل بما تمتلكه من لحمة داخلية. ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع السوري، بكل فسيفسائه، لا يشكّل عبئاً على الدولة، بل هو رأسمالها الحقيقي. ففي كل حي وقرية ومدينة، تتعايش طوائف وأعراق ومذاهب وأفكار، لا لتتناحر، بل لتتكامل. وإذا ما تحوّل هذا التنوع إلى تشرذم، ضاع الوطن، أما إذا انصهر في مشروع وطني جامع، نهضت سورية من تحت الركام.

ولعلّنا في ظل هذا الزمن العاصف، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب جديد، لا يكتفي بإدانة الطائفية، بل يفضحها، ويعري سردياتها، ويجتثها من العقل الجمعي، و يُحِلّ مكانها لغة المواطنة الجامعة، التي لا تفرق بين دمٍ و دم، ولا بين مسجد وكنيسة، ولا بين جبل وسهل، بل ترى في كل فرد حجر أساس في بنيان سورية الجديدة.

ومما لا شك فيه أن هذا التلاحم المجتمعي لا يولد تلقائياً، بل هو ثمرة وعي، و غرسٌ في مؤسسات التربية والإعلام والثقافة والسياسة. لذلك، فإن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الدولة، بل أيضاً على المثقف، والإمام، والمعلم، وشيخ العشيرة، والسياسي، بل وحتى على الأب والأم في بيتهما. فكل كلمة تُقال، وكل سلوك يُمارس، إما أن يعزز الجدار الوطني، أو أن يُحدث فيه شرخاً.

وإذا نظرنا إلى تجارب شعوب أخرى، نجت من فتن الطائفية، ندرك أن المجتمعات التي ترفض أن تُختزل بهوياتها الفرعية، والتي تتمسك بمظلتها الوطنية الكبرى، هي التي تملك القوة على تجاوز المحن، وتفشل مخططات التقسيم، وتمنع التدخل الخارجي من اختراقها.

من هنا، فإن التلاحم المجتمعي في سورية ليس ترفاً أخلاقياً، ولا شعاراتٍ فضفاضة، بل هو حائط الصد الأخير أمام من أرادوا لسورية أن تصبح ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فكلما تماسكنا اجتماعياً، كلما أفشلنا مشروع الفوضى، وكلما نجونا من التحلل.

في المحصلة، لا بد أن نعي جميعاً أن سورية التي نحلم بها لا تُبنى بالسلاح فقط، بل تُبنى بالكلمة الطيبة، والنوايا الصافية، والقلوب التي تتسع لكل السوريين دون استثناء. إنّها معركة الوعي، وهي أصعب من كل المعارك، لكنها وحدها المعركة التي تستحق أن نخوضها، لأنها ببساطة… معركة الوطن.

سورية الوطن و الشعب

رئيس الهية العام لحزب بناء سورية الديمقراطي

  • Social Links:

Leave a Reply