أزمة المثقف وثقافة القطيع:

أزمة المثقف وثقافة القطيع:

ريزان كمو


قراءة في المأزق السوري بين وعي الجماهير وتخلف النخبة

رغم أن المثقف غالبًا ما يُنظر إليه بوصفه طليعة التغيير، إلا أن الحالة السورية كشفت عن مفارقة مؤلمة: لقد سبقت الجماهيرُ مثقفيها. ففي لحظة انفجار الوعي الشعبي عام 2011، كان الحس الفطري للجماهير أكثر صدقًا ونقاءً من تنظيرات النخبة، وأكثر جرأة في الحلم من خطابها المرهق بالحذر والتردّد. خرج الناس إلى الشوارع، مطالبين بالحرية والكرامة، بينما ظل المثقف السوري – في مجمله – حبيس عباءته القديمة، متردّدًا، يراوغ، أو حتى متواطئًا بالصمت
المثقف السوري – باستثناءات محدودة – بقي رهين تشوّهات طويلة الأمد، ناتجة عن عقود من القمع والتدجين. لم يستطع أن يتحرّر من “عباءته” الأيديولوجية أو الطائفية أو الشخصية، ولم ينجح في تجاوز الذات المتضخمة. وهنا نجد تحليلاً عميقًا في كتاب مصطفى حجازي “الإنسان المقهور”، حيث يصف الإنسان المحكوم بالاستبداد بأنه عاجز عن محاكاة “سيّده”، لكنه في الوقت ذاته غير قادر على التحرّر من النموذج الذي يقهره. فيتمثل القامع في سلوكه حينما تسنح له الفرصة، مكرّسًا العنف والتسلّط بدل التحرّر والانعتاق.
إن الثورة السورية، رغم عظمتها وتاريخها، افتقرت منذ بداياتها إلى كاريزما قيادية توحّد الرؤية وتضبط الإيقاع. حتى اللحظة، لم تظهر شخصية تمتلك الجرأة الأخلاقية والرؤية السياسية والشرعية المجتمعية لقيادة المرحلة. يعود هذا في جزء منه إلى تخبط النخبة، وفي جزء أكبر إلى بنية ثقافية واجتماعية عشائرية لا تزال تحكم وجدان الناس وعلاقاتهم. فما زال المبدأ السائد في أوساط واسعة من المجتمع هو: “ما أنا إلا من غزية، إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد”. إنه منطق القطيع، لا منطق المواطنة.
في هذا السياق، تبرز العلاقة البنيوية بين الثقافة والاقتصاد، كما أوضح ماركس: “لكل نمط من المعيشة، نمط من التفكير”. فحيث تسود العلاقات الاقتصادية ما قبل الرأسمالية، من عشيرة وطائفة إقطاعية، تسود معها قيم الولاء الأعمى والتبعية، لا قيم النقد والمواطنة. لذلك، لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية من دون تحوّل اقتصادي وثقافي شامل. فالديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع، بل منهج حياة وثقافة يومية، تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند البرلمان.
ما نعيشه هو ديمقراطية المظاهر العشائرية؛ حيث تُختزل الحرية في صوت انتخابي مرتبط بالقبيلة، لا في وعي نقدي يضمن المشاركة والمساءلة. الدولة المدنية الديمقراطية لا تُبنى إلّا على يد الأكاديميين والخبراء، لا على يد وجهاء العشائر أو زعماء الطوائف. وهذا ما فهمه لينين في تنظيره لدور الطليعة المثقفة في قيادة البروليتاريا؛ إذ لا خلاص من الاستبداد بدون نخبة واعية، ذات مشروع، مرتبطة بقضايا الناس.
وإذا نظرنا في ثقافتنا الدينية السائدة، نجد أيضًا بنية فكرية تدعم هذا النمط: فبعض المسلمين يتعاملون مع أنفسهم كممثلين لله على الأرض، يمارسون الانتقام والمحاسبة بعقلية تكاد توازي “الذات الإلهية”، متناسين أن العدل والرحمة قيم جوهرية في الإسلام، لا العنف والتشفي.
غياب القيادة الكاريزمية، إذًا، لا يعود فقط إلى الظرف السياسي، بل إلى غياب بنية ثقافية تنتج هذه القيادة. لم تظهر بين المثقفين السوريين شخصية تجمع بين العمق الأكاديمي، والحضور الشعبي، والقدرة على تمثيل كل السوريين. ما زالت النخبة تتصارع على الرموز، و تستنسخ عقلية المستبد، بدل أن تُنتج بديلاً ديمقراطيًا يكرّس التعدد، ويؤسس لمشروع وطني جامع.
نحن بحاجة إلى مثقف جديد: مثقف يخرج من عباءة الآيديولوجيا الضيقة، ويقف إلى جانب الناس لا فوقهم، يرفض ثقافة القطيع، و يؤمن بالدولة المدنية لا بالعشيرة، يُنتج فكرًا لا يكرر، ويقود لا يتفرّج. عندها فقط، يمكننا نعيد تعريف الحرية بما يليق بتضحيات السوريين
عندها فقط، يمكن أن نتجاوز فكرة “الفرد التابو”، وننتقل إلى عقل جماعي تشاركي. فقط عندها، نستحق أن نبني دولة حديثة، عادلة، قائمة على العقل والمؤسسات لا على الأصنام الجديدة…
ريزان كمو

  • Social Links:

Leave a Reply