الكونفرانس… تمزيق باسم الأقليات وفشل في إعادة إنتاج الثقة الوطنية

الكونفرانس… تمزيق باسم الأقليات وفشل في إعادة إنتاج الثقة الوطنية

حسن عبد الله الخلف

منذ اللحظة الأولى لثورة السوريين عام 2011، حين انكشفت طبقات الخراب المطمورة في جسد الدولة والمجتمع، تبيّن أن ثمة مشروعًا خارجيًا يتسلّل بخفة الأفاعي. لم يأتِ حاملًا لواء الديمقراطية، ولا مدافعًا عن حقوق الإنسان، بل التفّ في عباءة مخاتلة من شعارات “التمثيل” و”الخصوصية” و”التنوع”، ومبادئ فوق دستورية ….!!فيما هو في جوهره إعادة إحياء لتحالف أقليات قديم رعاه الاستعمار، يوم حوّل سورية من ساحة نزاع قناصل إلى مختبر للطائفية.
هذا الحلف الذي أُخرج من أرشيف التاريخ، لا يُراد منه مجرد تقطيع الجغرافيا، بل نسف الاجتماع السياسي برمته. فالمشروع يستبدل الوطن بالطائفة، والسيادة بالفيدرالية الانفصالية، والمحتلَّ الأجنبي بـ”الحامي” الشرعي.
وها نحن أمام حلقة جديدة من هذا المسار: “كونفرانس وحدة الموقف” بالحسكة وفي بروكسل الذي عقدته قسد، ليس لتثبيت موقعها كشريك في أي صيغة وطنية، بل لتسويق نفسها كنواة سلطة بديلة، وجاذب لما يسمى بـ”المكونات” التي يجري توظيفها كورقة ضغط ومساومة. كل شيء في هذا الكونفرانس يوحي ببيان انفصال مموّه: وطنية منزوعة الروح، ديمقراطية مغشوشة وتنوع محرّف، حين يتحوّل التنوع إلى كيان، والانتماء إلى بطاقة طائفية والمواطنة إلى سوق نفوذ.
لكن السؤال الأعمق: لماذا ينجح هذا المشروع في التمدد؟ ولماذا يفشل المركز في احتوائه أو حتى مجابهته؟
الجواب لا يكمن في مؤامرة الآخرين فقط بل في عجز الذات. ما انهار لم يكن النظام الأمني وحده، بل العقد النفسي والسياسي الذي يسمّى الثقة الوطنية. عقود من القمع والإقصاء والتخوين أكلت هذه الثقة، ثم جاء سقوط النظام ليكشف فجوة مرعبة بين دولة عاجزة ومجتمع مُنهك، بين من يرفع راية الوطن ومن يراه عبئًا لا أفق له.
إن من يصرخ اليوم بالخيانة، عليه أن يسأل نفسه أولاً: هل بنى بيتًا يحتضن أبناءه جميعًا؟ أم ترك فراغًا هائلًا ملأته المشاريع البديلة؟
الخيانة ليست جينات تُلصق بالأقليات أو بالمكونات، بل فعل سياسي يولد غالبًا في بيئة طاردة، حين تدفع الدولة مواطنيها إلى أحضان الخارج، وتترك المحتل يقدم نفسه كمنقذ.
إن الرد على “حلف الأقليات” لا يكون بالعنتريات ولا بإعادة تدوير شعارات الوحدة، بل ببناء وحدة حقيقية على أسس صلبة:

  1. دفن النموذج الأمني القديم والانتقال إلى دولة قانون ومؤسسات، يتولى فيها الشأن العام الأكفاء لا الموالون للأجهزة.
  2. صياغة عقد سياسي جديد يجعل المواطنة إطارًا جامعًا لا بطاقة إثنية أو مذهبية.
  3. حوكمة عادلة وشفافة، فالمشاريع الانفصالية تغتذي على غياب العدالة لا على كثرة الخطب.
  4. رفض المحاصصة واعتماد الكفاءة معيارًا وحيدًا لشغل المناصب.
  5. إعمار على أساس الحقوق، فالمهجر والمهدم بيته لا يحتاج جلسة “مصالحة” بل استعادة حقه ومشاركته في رسم المستقبل.
  6. إعلام حر يعود منبرًا للرأي العام، لا نشرة داخلية للسلطة أو واجهة مموّهة للخارج.
  7. احترام الخصوصيات بلا تحويلها إلى كيانات، لأن الخصوصية الحقيقية تعيش في ظل وطن جامع لا على أنقاضه.
    أما المجتمعون في الحسكة تحت الرعاية الأجنبية، فهم لا يمثلون إلا أنفسهم، ولا يملكون من الشرعية إلا ما يمنحه لهم فراغ السلطة. تجاهلهم قد يكون أجدى من الاشتباك معهم، شرط أن يبدأ إصلاح الداخل فورًا، لا عبر بث الرعب، بل عبر بث الأمل، لا عبر استدعاء الماضي بل بصناعة أفق جديد.
    سوريا ليست خطوطًا تُرسم في خرائط الغرب، ولا ألوانًا على ورق مفاوضات، ولا جوائز ترضية بين “مكونات” تُقسَّم كما تُقسَّم الغنائم.
    سوريا عهد دمٍ ووفاء، عقدٌ لا يكتبه إلا أبناؤها، ولا يوقّعه إلا من حمل ترابها في كفّيه ودافع عنه حتى الرمق الأخير.
    سوريا وُلدت لتكون واحدة، عصيّة على التقسيم، أكبر من الطوائف والعشائر، وأسمى من الصفقات والولاءات الضيقة.
    نعم لسوريا حرّة… حرّة من الوصاية، حرّة من المحاصصة، حرّة من كل يد تحاول العبث بهويتها أو تقزيم حلمها.
    ولا حرية بلا سيادة، ولا سيادة بلا عدالة، ولا عدالة بلا دولة تحترم عقل السوري وكرامته، وتؤمن أن شعبها هو الحارس الأخير للوطن، لا أي قوة أجنبية.

  • Social Links:

Leave a Reply