مالك داغستاني
رغم أن “مشروعية احتكار الدولة للعنف” أمر قانوني يناقشه عادة المختصون في اجتماعاتهم أو عبر الأبحاث والدراسات. فإن الأمر، سورياً، يختلف اليوم. إنه هنا تجربة واقعية تجري، أو ستجري على الأرض. وسوريا، مع خصوصية حالتها، إلا أنها ليست خارج العالم لنبتكر لها حلولاً مختلفة بعيداً عن التجارب المشابهة دولياً.
واقع الحال اليوم، أن السلاح في سوريا ليس بيد (الدولة) فقط، بل بيد أعداد مخيفة من المدنيين، والمجموعات العشائرية أو الطائفية، أو شبكات تهريب ومافيات الحرب، وليس من المبالغة القول إن معظمها مرتبط بقوى خارجية. هذا الواقع لا يُعالج بشعار “نزع السلاح” مجرّداً، بل بفهم السياق الذي جعل السلاح ضرورة للناس أو جزءاً جوهرياً من حياتهم، وأحياناً وسيلة للحماية وحفظ الكرامة.
لم يكن نزع السلاح في البوسنة، كمثال، فعلاً أمنياً فقط، بل مساراً لإعادة الثقة، وإصلاح القطاع الأمني، والتأكيد على حيادية الدولة ونزاهتها. فكانت هناك حاجة لمعالجة مخلّفات الحرب ونزع الخطاب الإقصائي المستند إلى سرديات الحرب، بهدف الوصول إلى تسويات تنتج لغة جامعة تؤدي إلى دولة المواطنة.
في العراق، تمت محاولات لنزع السلاح من دون خطة واضحة ولا بدائل، ما أدّى إلى خلق فراغ أمني ملأته قوى أكثر تطرفاً وطائفيةً. وفي السياق ذاته، تُظهر التجربة اللبنانية نموذجاً آخر لا يقل خطورة، حيث تم حل معظم الميليشيات بعد اتفاق الطائف، باستثناء “حزب الله”، مما كرّس سلاحاً خارج الدولة، أوشك على ابتلاعها، عدا أنه أسس لانقسام طويل، ما زلنا نشهد نتائجه حتى اليوم. احتكار العنف في هذا المقام، لا يكون برفعه كشعار وحسب، بل بتطبيقه محاطاً بشروط سياسية وأمنية ومجتمعية دقيقة ومُحكمة.
في سوريا، للأسف، لا يزال مستقبل بُنية السلطات وخصوصاً المؤسسة الأمنية والعسكرية موضع نقاش، يبدو أنه لم يُحسم حتى في مركز صنع القرار، وهذا لا يمكن أن يكون تفصيلاً إدارياً، بل فعل سياسي يؤسس أو يقوّض الثقة بالدولة. فإذا جاءت القوى الأمنية الجديدة مجرّد نسخة ولو “ملطّفة” من أجهزة قمع نظام الأسد، فهذا لن يعني سوى أننا دخلنا في دورة تاريخية جديدة من القمع والعنف. ولكن هل يُفهم مما أقول هنا، أنني أدعو إلى ترك مناطق كاملة تحت رحمة فصائل مسلحة لآجال غير محددة؟ طبعاً لا. فهذه وصفة مماثلة لسيناريو تقسيم البلاد أو الانهيار التام.
هذه الدروس من التجارب السابقة تُبرز الحاجة إلى ضرورة الاستفادة من البرامج الدولية لدعم الدول الخارجة من النزاع، كما فعلت دول مرّت بما نمرّ به اليوم، فبادرت إلى إصلاحات فعلية بالتعاون مع الأمم المتحدة وجهاتٍ فنية مختصة. ببساطة، على السلطة السورية أن تدرك أن التحدي الذي نواجهه اليوم لا يمكن حله بعناد الانغلاق أو برغبة إثبات القدرة الذاتية وحدها. فنحن لسنا أمام أزمة عابرة، بل جميعنا غارقون في خرابٍ مجتمعي وأمني عميق يتجاوز في حدّته ما عاشته دول استعانت بالدعم الأممي علناً ونجحت.
التجارب تقول إن طلب المساعدة ليس ضعفاً أو انتقاصاً من السيادة، بل ربما هو الشرط الضروري لبنائها على أسس صلبة. أما الإصرار على العمل بمفردنا، فهو أقصر الطرق لتكرار أخطاء من ظنوا أن القوة المحلية والقدرات الذاتية تكفي، فانتهوا إلى انهيار أوسع وفشلٍ أبقى. وقناعتي أنه لن تنجح أي سلطة في سوريا، أياً كانت خلفيتها، إذا واصلت المكابرة وتوهّمت أن بإمكانها تفكيك معضلة السلاح والانقسام المجتمعي بمفردها. فنحن أمام خراب معمم، يتجاوز في حجمه وعمقه ما واجهته دول أخرى سارعت لطلب المساعدة الأممية.
بينما اختارت تلك الدول الإصلاح والتعاون الدولي، نجد لدينا، على ما يبدو لي حتى اليوم، أن الإدارة الجديدة تحاول تجريب كل الطرق الخاطئة قبل الوصول إلى الطريقة الوحيدة الصحيحة والناجحة. كأنها ما زالت تهاب كل مبادرة داخلية من مختصين سوريين أو خارجية أممية، حتى الفنية والإدارية منها، وكأن السيادة (السلطة) تعني الانغلاق. ومن البديهي الاستنتاج هنا، أنه لا يمكن لسلطة تجفل من المبادرات المجتمعية أن تدّعي قدرتها على بناء السلم الأهلي الذي ينشده السوريون.
يعتبر الخبراء الدوليون أن تجربة “سيراليون” من أفضل النماذج لنجاح عملية نزع السلاح بعد الحرب الداخلية. حيث لعبت البعثة المدنية التي أوفدتها الأمم المتحدة دوراً محورياً في دعم البرنامج. فساعدت، بدعم أممي شفاف، على جمع السلاح، وتقديم حوافز وتأهيل للمقاتلين والأطفال المجندين، وربط ذلك بمسارات المصالحة والعدالة الانتقالية، مما ساعد في تفكيك العنف وتحقيق الاستقرار.
السلاح ليس مجرد مسدسات ورشاشات كلاشينكوف فقط، بل هو علاقة مع الخوف والسلطة. كثيرون اليوم لا يثقون بأي جهة تحمل السلاح باسم الحكومة السورية. والتجربة تقول إن نزع السلاح بالقوة، من دون حماية بديلة أو تعويضات وبدائل لمن امتهن حمله سابقاً، هو وصفة لانفجار اجتماعي لاحق. حلم معظم السوريين اليوم أن تنجح السلطة الجديدة، حتى لو اختلفوا معها سياسياً وفكرياً، فيعبروا معها هذا المضيق. لكن للأسف، لم تفعل الإدارة الحالية حتى اليوم، ما يشير إلى أنها تشارك السوريين هذا الحلم.
أية خطة في هذا الصدد، يجب أن تشمل عقداً أمنياً جديداً، تشرف عليه هيئة منتخبة أو ذات صدقيّة وطنيّة، بمشاركة الضحايا والمجتمع المدني والمكونات المختلفة من دون أي إقصاء. فيأتي نزع السلاح تدريجياً، يشمل التعويضات، والتأهيل النفسي والمهني للمقاتلين السابقين، مع ضمانات دستورية تُرسّخ حياد الأجهزة الأمنية وخضوعها للمساءلة. وبالتأكيد سنحتاج هنا لإشراف دولي فني وإداري، أو إشراف أية هيئات محايدة تسهم في مراقبة العملية.
ما هو مؤكد بالنسبة لي أن تجربة نزع السلاح والعدالة الانتقالية يجب ألا تقتصر على القضاء والقوانين وإدارة العملية، بل الأهم جوهرياً أن تشمل استعادة الثقة. ثقة السوريين بعضهم ببعض وثقتهم بالدولة. بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وُحِّدت الأجهزة الأمنية، وفُتحت ملفات الماضي، وواجه الضحايا رمزيّاً جلاديهم. هذا ما أكسب الدولة شرعية لاحقة لاحتكار العنف، والأهم أنها أظهرت لمواطنيها جميعاً، أنها قادرة على محاسبة نفسها وممثليها ومنتسبيها.
الحديث عن “احتكار الدولة للعنف” في سوريا الجديدة، يجب أن لا يُفهم كحق جاهز أو تلقائي، بل هو مسؤولية مشروطة. فالدولة التي لم تشكّل بعد آليات للمحاسبة والعدالة، وفشلت حتى الآن في تشكيل جيش وطني وقوى أمنية محايدة وتحت السيطرة، بداهةً لا يمكن أن تُمنح هذا الامتياز. والسلطة التي لم تعتذر ولم تحاسِب بعد عن جرائم ارتكبها أفراد يتبعون لها، لا تُعطى هذا الحق تلقائياً. فالمجتمع الذي يشعر بالتهديد، سيبحث دوماً عن حماية بديلة، حتى لو عبر بندقية غير شرعية.
في حالتنا نحتاج، بدلاً من ترديد العبارات القانونية، إلى إعادة تعريف الدولة لنفسها. لا كسلطة قهر كما عشنا لعقود في ظل نظام الأسدين، بل كعقد بين الأفراد، يتنازل فيه المواطنون عن العنف مقابل ضمان حقوقهم. عندئذ فقط، سيكون السلاح في يد الدولة أكثر ثقةً من بقائه في يد أفراد محكومين بالخوف والفوضى. وإلا فإننا بدل بناء الدولة، نقضي على أي أمل بالوصول إليها. وعلى الأغلب سنصل إلى دويلة خوفٍ سوف تعيد إنتاج الكارثة السورية ثانيةً، لكن بهوية بصريّة جديدة.

Social Links: