الدروز في سوريا: من العزلة الاستراتيجية إلى الحصار الإقليمي

الدروز في سوريا: من العزلة الاستراتيجية إلى الحصار الإقليمي

زرقاء اليمامة


الدروز في سوريا: من العزلة الاستراتيجية إلى الحصار الإقليمي — قراءة في تحولات الموقف والهوية

مقدمة

لطالما شكّلت الطائفة الدرزية جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي السوري، حافظت عبر عقود على حيادها النسبي، وتجنبت الانخراط المباشر في الصراعات الكبرى. إلا أن تحولات الحرب السورية منذ عام 2011، وتصاعد النزاعات المحلية والإقليمية، دفعت المجتمع الدرزي إلى قلب المواجهة، مع تعقيد أدواره بين الولاء الوطني وحسابات الزعامة المحلية.

الخلفية التاريخية والسياسية

تاريخيًا، تميز الدروز في جبل العرب بالاستقلالية عن الحكم المركزي، وقد لعبوا أدوارًا رئيسية في مقاومة الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي، أبرزها ثورة سلطان باشا الأطرش عام 1925. بعد استقلال سوريا، حافظ الدروز على نفوذ محلي محدود، مع علاقة حذرة بالدولة المركزية، وفي عهد الأسد الأب والابن ظلوا على حياد نسبي مقابل ضمان استقلاليتهم الإدارية والثقافية.

ما بعد 2011: الدروز في الحرب السورية

مع اندلاع الحرب، اعتمد الدروز استراتيجية الحياد المسلح، محافظين على مناطقهم في السويداء، ومتجنبين الانجرار في النزاعات الطائفية الكبرى. تعاونوا أحيانًا مع دمشق ضد الجماعات المتطرفة، مع الحفاظ على قنوات تواصل مع بعض الفصائل المعارضة. إلا أن النزيف البشري والاقتصادي، والهجرة الداخلية والخارجية، بدأت تهز هذا التوازن الدقيق.

مقدمات التحول إلى الأزمة الراهنة

سقوط النظام المركزي في الجنوب بعد ديسمبر 2024 أوجد فراغًا سياسيًا أتاح صعود زعامات محلية، أبرزها حكمت الهجري، الذي وسع دوره السياسي والديني التقليدي، وتحدى السلطة المركزية. التوترات مع العشائر البدوية على الموارد والأراضي أسهمت في تصعيد النزاع، ووضعت المدنيين في مرمى المخاطر.

يوليو 2025: الانفجار الكبير

بدأت الاشتباكات بين فصائل درزية وبدو، وتحولت سريعًا إلى مواجهة مع الحكومة الجديدة في دمشق. فرض الحصار على السويداء، شمل الغذاء والدواء والوقود، وأصبح المدنيون رهائن بين صراع السلطة المحلية ودمشق. طلب حكمت الهجري تدخل إسرائيل، بحجة حماية الدروز، وهو ما شكّل نقطة فاصلة بين الولاء الوطني والمغامرة بالتحالف الخارجي.

أبعاد الموقف الدرزي الراهن
1. البعد المحلي: انقسام المجتمع الدرزي بين الرافضين للتدخل الخارجي والمؤيدين لأي حماية حتى لو كانت من قوة معادية. المدنيون أصبحوا ضحايا غير مباشرون.
2. البعد الوطني: تآكل صورة الدروز كجزء متماسك من وحدة الدولة السورية، واتهامات بالخيانة تلاحق القيادة السياسية والدينية.
3. البعد الإقليمي والدولي: استغلال إسرائيل للأزمة لتعزيز نفوذها في الجنوب، بينما تحاول الولايات المتحدة فرض ممرات إنسانية ضمن صفقات سياسية مع دمشق.

السيناريوهات المستقبلية
• حل داخلي: تسوية بين الزعامات المحلية ودمشق لرفع الحصار مقابل إنهاء التحالفات الخارجية، والحفاظ على وحدة الدولة.
• حل خارجي: فك الحصار عبر تدخل إقليمي، ما قد يعزز النفوذ الإسرائيلي ويضعف السيادة السورية.
• استمرار الحصار: استمرار معاناة المدنيين، وتحويل السويداء إلى ملف مساومة طويل الأمد، يشبه ما حدث سابقًا في إدلب أو غزة.

الخاتمة

يقف الدروز أمام مفترق طرق مصيري: العودة إلى دورهم التاريخي كجزء من وحدة سوريا الوطنية، أو الانزلاق إلى دور أداة بيد قوى خارجية. تحمل مسؤولية حماية المدنيين تقع أولًا على القيادة المحلية، وثانيًا على الدولة السورية، وعلى المجتمع الدولي إذا كان صادقًا في خطابه الإنساني. وفي كل الأحوال، فإن المعاناة البشرية للمدنيين تبقى المعيار الأخلاقي الأول، بعيدًا عن الحسابات السياسية والخيانة السلطوية.

  • Social Links:

Leave a Reply