زيارة غير ميمونة

زيارة غير ميمونة

خالد نعمة

على هامش زيارة غير ميمونة

نعم من حق الدول والأنظمة أن تبحث عن التوازن في علاقاتها الدولية، وأن تنسجها مع الجهات التي تؤمن لها عوامل قوة إضافية، أو تقيها من مشكلات عويصة هي بغنى عنها.
وصحيح كل الصحة أنَّ العلاقات بين الدول تبنى على المصالح، وأنـَّـها في كثير من الأحيان علاقات لا اخلاق سياسية يجري فيها الدوس على المبادئ الأخلاقية وحقوق الشعوب المشروعة، وينصر فيها الظالم، ويغمط فيها المظلوم، لكن مع ذلك ينبغي للدرك الأسفل أن يكون ذا حدود لا يجوز تجاوزها إلى مزيد من السفالة.
روسيا البوتينية ليست إطلاقاً الاتحاد السوفييتي السابق، وهي لن تكونه، فنظامها الحاكم نظام حكم مافيوزي لطغمة مالية سرقت ثروات ذلك البلد، ولديها تطلعات إمبريالية واضحة المعالم والأفعال، وتستلهم أفكارها التوسعية والاستغلالية من الماضي الإمبراطوري القيصري الاستعماري البغيض.
خلال أعوام الكارثة السورية، وبدءاً من العام 2015 صارت روسيا البوتينية طرفاً أساسياً في الصراع الضاري الجاري على أراضي سوريا، وداعماً رئيسياً لطاغية ومستبد وديكتاتور وقاتل نازي متسلسل لشعبه، وقد استخدمت لذلك آخر منجزات العلم العسكري لديها وأجد ما أنتجه مجمعها الصناعي العسكري من أدوات القتل الأكثر تطوراً للمشاركة الفاعلة في قمع الشعب السوري المنتفض على سلطته الفاشية البغيضة. وكل ذلك بحساب وفاتورة، إذ رتبت على النظام الآيل للسقوط لقاء دعمها اللامتناهي له في تثبيت أركانه وإطالة أمد معاناة الشعب السوري عشرات مليارات الدولارات كديون عسكرية على النظام الساقط، وهي أموال شيطانية لم تستخدم من أجل زيادة رفاهية هذا الشعب البائس، بل لقتله بالجملة، ولهدم حاضراته المنتفضة وغير الموالية، ولإرجاعه عقوداً إلى الوراء بعد أن جرى تدمير ممنهج لكل ما يمكن أن يكون رافعة اقتصادية وسياسية له في الحاضر والمستقبل.
ولضمان تحصيل روسيا البوتينية ديونها المترتبة على مأفون كانت هي من تدعمه، فقد استحصلت منه على اتفاقيات إذعان تتيح لزعماء مافياتها الاقتصادية أن تتحكم بأهم موارد البلاد السورية وثرواتها ومؤسساتها ولعشرات السنين، كما أوجدت لنفسها مواطئ أقدام في قواعد عسكرية ضمن سوريانا، التي كانت طوال عقود داعية مناهضة لكل القواعد العسكرية الأجنبية في أي بقعة من هذا العالم، وهي القواعد التي لم تضمن أمناً للسوريين، ولم تحمِ أجوائهم، ولم تجنبهم ضربات عدوهم الإسرائيلي، بل كانت على العكس من ذلك تماماً بإتمامها تفاهمات مع الأتراك والإسرائيليين والأمريكان لتقاسم الأجواء السورية فيما بينهم والتنسيق المتبادل بما يضمن عدم حدوث اشتباكات بينهم، مع إتاحة الحرية لكل طرف من هذه الأطراف كي يستبيح الأراضي السورية وأجواءها ومنشآتها كما يحلو له ومتى شاءت له مشيئته.
روسيا البوتينية لم تكلف نفسها على لسان أي أحد من ممثليها بأن تعتذر علناً من الشعب السوري على ما عاناه من آلتها العسكرية، ومن دعم نظامها للديكتاتورية الأسدية المغرقة في وحشيتها بتعاملها مع شعب بسيط كل ما كان يريده هو أن يعيش بحرية وكرامة في بلده، ناهيك عن تجاهل تعويضه عن الخسائر الاقتصادية الجسيمة التي أصابته، وآلاف الأرواح من أبناء الشعب التي أزهقت بسبب ذلك الدعم الروسي غير المحمود للطغيان والديكتاتورية.
زيارة الجولاني-الشرع إلى موسكو في هذا الوقت بالذات، وفي ظل كل ما قيل أعلاه وبغض النظر عن شخصه الإشكالي، ومع كل ما يرافقها من تبريرات الأبواق السلطوية، هي الزيارة الغلط في الوقت الخطأ، وهي الدوس المقصود على مشاعر ناس ما تزال تحت وطأة المعاناة وأهوال ما عاشته بسبب ذلك التدخل الروسي، الناس التي لم تجد بعد من يضمد جراحها، بل جاء من ينكأها وبكل وقاحة من جديد.
الحاكم السابق الفار بحث عن الدعم في الخارج، وداس شعبه، فكانت نهاية حكمه ما شاهده الناس قبل أقل من سنة.
ومن يكرر ما فعله سابقه السيء الصيت، سيكون مصيره مماثلاً، حتى لو أخذ نفساً دولياً ثانياً وثالثاً، فالشعب هو الأساس، وهو من ستكون له الكلمة الأخيرة والفصل.

  • Social Links:

Leave a Reply