اللغو في اللغة والخطاب

اللغو في اللغة والخطاب

د أحمد برقاوي.


أطلقت العرب ساخرة على اللغو مصطلح القيل والقال.
وليس اللغو من اللغة بل من لغا يلغو، وهو القول الخالي من الفائدة، وأضاف المعجم إلى معانيه: الباطل، أو ما يجري من أقوال بحكم عادات الكلام. غير أن خطاب اللغو هو أكثر من هذا وإن كان ينطوي على القول الذي لا معنى له.
ففي خطاب اللغو لا نكون أمام “سوالف العوام” ولا أحاديث السمر في المقاهي والحانات، ولا اللغو في الأَيْمان، بل أمام خطاب للناس صادر عن وعي من صاحبه مع درايته أن خطابه هو خطاب لغو، أو هو عند بعض اللاغين اعتقاد بأن خطابه ليس لغوا.
دعوني أعرف خطاب اللغو بأنه “كل خطاب يؤدي إلى اغتيال الحقيقة وإهانة العقل والاعتداء على الذوق الجمالي، قصد صاحبه إلى ذلك أم لم يقصد”.وهو ظاهرة موجودة في كل ثقافات الدنيا، غير أنه في البنى الدكتاتورية يغدو محتلا ساحة الخطاب والفن ويعلن عن نفسه صورة الانحطاط الكلي.
يتعين اللغو بصور متعددة ،بل قل إن كل أشكال تعبيرات الوعي الزائف بما في ذلك الوعي الجمالي الزائف الذي هو لغو جمالي.
أجل إن اللغو الجمالي، سواء كان شعرا، أو لوحة، أو أغنية، إنما هو اغتراب الجمال عن ماهيته، ماهية الجمالي التي تحدث ارتقاء وسموا ومتعة لدى المتلقي، فينحط الشعري إلى القول المبتذل والمباشر، وتتحول اللوحة إلى محاكاة تعكس بؤس الانحطاط، وتصير الأغنية همروجة تخاطب غرائز لم تمسها الثقافة وبخاصة غرائز القتل، كما هو حال لغو الأغاني التي يجهر بها فنانو الميليشيات مترافقة مع الراية الصفراء المرصعة بالبندقية، أو مع الراية السوداء المرصعة بكتابة ما قبل التنقيط.
ولا شك بأن تاريخ إفساد اللغو الجمالي مرتبط ارتباطا شديدا بالدكتاتورية والعسكرتارية والطائفية. واللغو الجمالي هو جزء لا يتجزأ من قبح بنية القمع، وبالتالي هو القبح الفني المعبر عن القبح الواقعي.
والحرية إذ تنقذ المجتمع والتاريخ من بنية القمع المدمرة للحياة، فإنها تحرره أيضا من شيوع خطاب اللغو وفن اللغو، دون أن تقضي عليه بالمرة، ذلك لأن اللغو ظاهرة موجودة في كل ثقافات الدنيا، غير أنه في البنى الدكتاتورية يغدو محتلا ساحة الخطاب والفن ويعلن عن نفسه صورة الانحطاط الكلي.
لكننا نشهد الآن بعد زوال الأسدية وحدة اللغو والأكاذيب. والشجار والنميمة والشتيمة واستفزاز عواطف الناس وخلق حروب خلبية،التي تصدر عن بعض الفاعلين في تكوين الوعي على صفحات الفيسبوك،من شأنها ان تشغل الناس بما ليس محمود النتائج، وتنسي المعذبين حروبهم العادلة،وهي في كل الأحوال ليست سوى مظهر من مظاهر الخواء الروحي والعقلي.هذا إذا افترضنا حسن النية.
عندما يصبح اللغو تعبيراً عن الهزيمة يتحول إلى نشرة أخبار كاذبة ليس لها أي مصدر سوى مصدر صاحب الأكذوبة،وما من وثيقة تدل عليها.
وأخيراً نقول:في الوقت الذي ينشغل فيه الوجود اﻷصيل بفكرة المصير والكرامة اﻹنسانية ويحول قلقه الوجودي الى ابداع ينشغل الوجود الزائف ذو الوعي المنحط بالبحث عن حضور عابر متوسلا بذلك الكذب والهراء.ويظهر هذا الفرق بين الوجود الاصيل والوجود الزائف أكثر ما يظهر في اللحظات الحاسمة من التحول التاريخي كلحظة الثورات مثلا.
إذ يسعى الوجود اﻷصيل الى الكشف عن المعنى مندرجا بالهم الكلي عائشا عذابات البشر رافعا القيمة الاخلاقية للكفاح الانساني.وجاعلا من هم المصير كما يجب ان يكون همه الشخصي.
اما الوجود الزائف فيغرق في الشتائم واللامعنى مظهرا غيرة زائفة لاخفاء خنوعه الطويل.

  • Social Links:

Leave a Reply