مسؤولية الكلمة في زمن التوتر

مسؤولية الكلمة في زمن التوتر

زكي الدروبي

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري
جذور الاحتقان: حمص مقياس صمود الدولة
ليس غريباً أن نشاهد هذه المشاهد اليوم، فهي نتيجة طبيعية للاحتقان الموجود في حمص من سنين طويلة، وهذا الاحتقان له جذور عميقة، ناجمة عن تسميم الفكر وذاكرة السوريين بفعل بروباغندا ناجحة من نظام الأسد، وسياسة التفريق الممنهجة التي اتبعها، والتي استخدم فيها مدنيين من أحياء بعينها – بذرائع مختلفة – ضد متظاهرين يطالبون بالدولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة في مواطنة متكاملة، مما أضفى شعورا بأن غالبية سكان هذا الحي مشاركون في الجرائم والانتهاكات التي حصلت خلال الثورة، وتأخر العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا، وهشاشة مؤسسات الدولة الوليدة.
ويبدو بأن مدينة حمص التي كانت منارة للثقافة والتنوع، أصبحت اليوم مقياساً لصمود المجتمع والدولة أمام أهواء ومصالح جهات تريد المتاجرة بهموم الناس البسيطة، ومطالبها التي تراكمت نتيجة أحداث متكررة من الاعتداءات، والشحن الطائفي، والقتل، وازدواجية تعامل المؤسسات الحكومية مع المواطنين في أحياء المدينة المختلفة خلال العام الماضي حتى شعر بأن هناك أحياء بسمنة وأخرى بزيت.
طريق النضج: من حق التظاهر إلى ضبط الانفلات
قطع الطريق على الاستغلال:
حق التظاهر مكفول، ودفعنا أثماناً غالية للوصول إليه، وهو ليس منّة ممن دفع ثمن الثورة باهظاً من دماء واعتقالات وتغييب بالسجون على الشعب، بل حق من حقوق الشعب الأساسية. ومن خرج اليوم لديه مطالب قد تكون محقة بنظره، بغض النظر عمن وجه الدعوة، لكن للتظاهر أصول، فيجب أن تكون هناك جهات منظمة للمظاهرة محلية ترسل للسلطة بأننا سنقوم بمظاهرة في التوقيت والمكان كذا، وسيكون المنظمون فلان وفلان، وهذه قوانين المظاهرة، وسنتعاون مع قوات الأمن لحماية المتظاهرين ومنع استغلالها. وعند تجاوز أي أحد لشعارات وقوانين المظاهرة، على المنظمين إخبار الشرطة بهذا الخلل لتقوم هي بدورها بمعالجته وإيقافه.
علينا أحبائي أن نفهم سياق الشعارات التي توحي في مظهرها بالطائفية، وأن نجد لها تبريراً. فمن صاح اليوم “يا علي”، وجد في الشارع المقابل من كان يصيح “قائدنا للأبد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام”. وهذه الشعارات لا تحمل بالنتيجة نية عداء، بل ناتجة عن تصحر سياسي شديد طوال عقود أنتجه استبداد نظام الأسد، مما أدى لأن يلجأ الناس إلى هذه الشعارات ما دون الوطنية. والحل ليس في الشعارات الطائفية والرد بشعارات مثلها، بل بالاستيعاب والتوجيه، فهو طريقنا الوحيد لمنع الفتنة ودمار الدولة.
صياغة المطالب بدقة:
هناك اليوم طرفان، طرف يقول بأن أولادي معتقلون من سنة دون أن أعرف أي خبر عنهم، ودون اتهام ومحاكمة، وهناك من يتهم المعتقلين بأنهم – بسبب انتماء طائفي، أو بسبب عملهم ضمن مؤسسات دولة نظام الأسد السابق – قتلوا أهلهم وأولادهم. وهنا يجب أن يتم صياغة المطالب بدقة وحكمة، كي لا يُساء فهمها، وتؤدي إلى زيادة الاحتقان والانفلات الأمني والجريمة الطائفية. فبدلاً من أن نقول “أخرجوا المعتقلين”، كان يمكن أن نقول (“نطالب بمحاكمة الجناة، وإطلاق سراح من لم تثبت إدانته”) فهذا يخدم العدالة أكثر من العبارات العامة الفضفاضة التي يُساء فهمها، ويتم توظيفها سياسياً في زيادة الشحن الطائفي.
أكرر شكري للمجهود الذي بذله عناصر الأمن العام في حماية السلم الأهلي، ومنع الفوضى الأمنية، وهذا يوضح أن مؤسسات الدولة بدأت بالنضج. وأتمنى على الناس أن لا يخرجوا بشارع مقابل شارع، وبالتالي دفع الأمور إلى مزيد من التوتر والاحتقان. وأتمنى أن نساعد الدولة، وعناصر الأمن، ولا نزيد العبء عليهم، عبر ترك المسألة لمؤسسات الحكومة لتقوم بواجبها وعملها، فأي تصعيد اليوم لا يخدم أجندات الدولة، بل يخدم متآمرون لا يرغبون بالخير لدولتنا الوليدة، ويريدون إسقاطها.
مسؤولية الإعلام في زمن التوتر
مسؤولية النقل والمصداقية:
الكلمة مسؤولية. أرجو من جميع الزملاء النشطاء الإعلاميين الذين وقفوا بأصعب الظروف إلى جانب حق شعبهم بالحرية… أن يدركوا بأن الكلمة مسؤولية وليست فعلاً عشوائياً، ليست بثاً مباشراً على الفيسبوك نطلق فيه معلومات غير صحيحة – حتى لو كانت النية صادقة – ليخرج فيما بعد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية وينفي ما تم تداوله.
الكلمة سلاح ذو حدين، فهي قد تساعد في بناء الدولة، وهي بنفس الوقت قد تدمر الدولة. وهنا لا تنفع النوايا الحسنة، فطريق الجحيم معبد بذوي النوايا الحسنة، لهذا فاستخدام المقارنات المجزوءة من سياقها لا يخدم بناء الدولة، بل يزيد من الشحن الطائفي.
تجنب المقارنات المضللة والوصم:
إن الموازنة بين أحياء مدمرة وأخرى سالمة على أساس طائفي، يتجاهل السياق الكامل للمدينة، ويتجاهل أنها موازنة مغلوطة غير دقيقة، فهناك أحياء من ذات الطوائف بأماكن أخرى عاشت رخاءً في سنوات الحرب، ولم تتأثر بالدمار. فلماذا هذه المقارنة المغلوطة التي تزيد من الشحن الطائفي؟
أيضاً وإن كانت الموازنة بين ما فعله عناصر الأمن العام اليوم من حماية للمتظاهرين، وبين ما فعله عناصر نظام الأسد من قتل للمتظاهرين ببداية الثورة، موازنة صحيحة، إلا أنها موازنة غير صحية ومضرة بجهود التهدئة التي تبذلها الدولة، لأننا دفعنا الأثمان ليكون هذا الأمر قاعدة، وليس منة وتفضلاً من الحكومة على الشعب. وهذا يدفع السلطة لتكون جزءاً من الصراع وتمثل جزء من الشعب، لا لتكون تمثل الدولة ومسؤولة عن كل الشعب، وبالتالي يزداد الاحتقان وتتوتر الأمور ويستغل أعداء الدولة هذا الأمر ليزيدوا من الشرخ.
من الأشياء المهمة التي يجب أن ننتبه إليها تجنب الوصم. فحين نستخدم مصطلحات مثل “الفلول” ارتبطت مع مجموعة بشرية تنتمي إلى طائفة محددة، فيصبح استخدام المصطلح – حتى لو كان القصد شريفاً – تجييشاً للاحتقان والكراهية ومساهمة في تدمير الدولة. علينا أن نوجه النقد إلى الفعل وليس للانتماء.
خطر إعلام التجميل:
إن تكرار تجارب الإعلام الفاشل، كالتباهي بأن “الأوضاع آمنة” من خلال تصوير الأحياء وعمل لقاءات مع الناس على أن العصافير تزقزق والسماء صافية، بينما النفوس محتقنة، يزيد من خطورة الموقف، ويرفع الاحتقان إلى درجات أعلى، ويجعل الصحفي الذي يجب أن يكون حيادياً بنقله للخبر جزءاً من الصراع، وبهذا تنتفي مصداقيته، ويلجأ الناس إلى أشخاص (مثل وحيد يزبك) يدغدغون مشاعرهم ويتاجرون بأوجاعهم، في سبيل تحقيق مصالحهم الخاصة بضرب الدولة في خاصرتها.
على الإعلامي أن يكون حيادياً بنقله مهما كانت عواطفه، كي لا تزداد عزلته عن الشارع، ويذهب الناس إلى المحرض.
قوة الدولة الحقيقية والعبور نحو القانون
تظهر قوة الدولة من خلال استيعابها لأصوات الناس المحتجة. هنا تظهر مشروعيتها الحقيقية، من خلال قدرتها على الاستماع لأوجاع الناس وهمومهم، وليس من خلال إسكاتها. ولن ينجو هذا الوطن إلا باتفاق مننا جميعاً على وضع القانون فوق أي عواطف، وأن تكون العدالة سبيلاً لبلسمة جروحنا ومداواتها، وأن نعتني بالكلمة الرصينة بدلاً من التحريض العشوائي.

  • Social Links:

Leave a Reply