داعش يفتتح العام الثاني من حكم الشرع باستهداف الأمريكيين

داعش يفتتح العام الثاني من حكم الشرع باستهداف الأمريكيين

زكي الدروبي

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الدينوقراطي السزري

بعد عام على حكم أحمد الشرع في سوريا، تفرض التطورات الأمنية – وخصوصًا بعد عملية تدمر – أسئلة ملحة حول مسار عملية بناء مؤسسات الدولة، لا سيما الأمن والجيش. فبرأيي حين يقوم عنصر من الأمن العام التابع لحكومة الشرع بالهجوم على اجتماع لقيادات أمريكية وسورية ويقتل فيه ثلاثة أمريكيين، ثم تقر وزارة الداخلية بأن الفاعل خضع لتقييم أمني منذ عدة أيام، موضحة أنه “قد يكون يملك أفكاراً تكفيرية أو متطرفة”، وانتظرت انتهاء عطلة نهاية الأسبوع لتصدر قرارًا بحقه، فهذا يكشف خللًا أمنيًا في بنية المؤسسة الأمنية وطريقة إدارتها، أكبر من كونه حادثة فردية.

يمكن أن نقرأ من خلال وقائع العام الماضي بأن ما حدث في تدمر ليس سياقًا منفردًا، بل يعبر عن إخفاق ببناء مؤسسات الدولة، وخصوصًا بالجيش والأمن، فحسب القرارات التي صدرت بالتعيينات، والتكليفات، وتوزيع الرتب العسكرية، تبين أن بناء هذه المؤسسات تم بناءً على المحاصصة والانتماء العقدي والقرب من السلطة وليس على حساب الكفاءة. يتضح ذلك في توزيع الرتب والمناصب على قادة الفصائل، وعلى عناصر أجنبية وقادة من هيئة تحرير الشام، التي كانت تتبع يومًا ما للقاعدة، مُستبعدًا أصحاب الكفاءة من عناصر الجيش والأمن المنشقين عن نظام الأسد خلال سنوات الثورة، وقيامه بتسريح عناصر الشرطة والجيش المُتبقين من نظام الأسد، مما خلق فراغًا لم تستطع القوات التي أتت معه من إدلب من تغطيته. كما أن سياسته في بناء جيش وأمن مُؤدلجين بأيديولوجيا إسلامية بدلاً من البناء الوطني، وتشكيل مؤسسات مُحترفة، زاد من المشكلة. أضف إلى كل هذا، فإن إعادة بناء مؤسسات الدولة يتم على محورين، الأول بنية ظاهرة رسمية، يرأسها في أعلى السلطة شقيق الرئيس ماهر الشرع في (أمانة رئاسة الجمهورية) وهو ينوب عن الرئيس في اجتماعات مجلس الوزراء، رغم أن صلاحيات الأمانة العامة لا تتيح له ذلك، وعلى التوازي يتواجد رجل الظل المسمى “الشيخ” وهو صاحب القرار الحقيقي بالمؤسسة، وليس المدير، ولا يعرف بالضبط لمن يتبع وممن يتلقى أوامره؟ هل هو تابع لـ «الأمانة العامة للشؤون السياسية» أم لجهة أخرى؟ وما هو دور هذه الأمانة والتي تشكلت بقرار من وزير الخارجية، وتسمى اختصارًا “الهيئة السياسية”، ومن مهامها الإشراف على إدارة النشاطات والفعاليات السياسية في البلاد، والمشاركة في صياغة ورسم الخطط العامة في الشأن السياسي، كما جاء في قرار التأسيس، ولا ندري ما دخل وزارة الخارجية بالأنشطة السياسية بداخل البلد، وهل هي بهذا القرار تمارس نفس الدور الذي كان يمارسه حزب البعث في عهد الأسد، خصوصًا وأنها أصبحت تستعمل مقرات الحزب كمقرات لها، وهل تشكل بديلاً عن “إدارة الشؤون السياسية” في هيئة تحرير الشام المنحلة التي كانت في إدلب قبل سقوط النظام؟

كما قام الشرع بسحب الصلاحيات الهامة من الوزراء، مثل الاستيراد والتصدير من وزارة الاقتصاد، والجمارك من وزارة المالية، وإلخ، لتصبح من نصيب هيئات مستقلة تتبع له مباشرة، ويرأسها أحد المقربين منه، وقام بتجميعها في المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، الذي يقر الخطة الاقتصادية للدولة، ويضع الإستراتيجيات والخطط العامة المتعلقة بالاستثمار، ويرأسه الرئيس الشرع، وينوب عنه شقيقه حازم.

أزمة هيكلية

كشفت تصريحات الناطق باسم وزارة الداخلية برأيي عن وجود خلل هيكلي في بنية جهاز الأمن، فلماذا ترك عنصرًا ثبت تورطه لاحقًا بهجوم إرهابي في الخدمة، رغم وجود تقييم أمني سابق يحذر من “حمله أفكارًا تكفيرية”؟ ولماذا لم يستبعد من الخدمة مؤقتًا ريثما يصدر قرار الفصل؟ وهذا يفتح النقاش حول احتمال تسرب مقاتلين يشتبه في انتمائهم لتنظيمات متطرفة، من ضمنها داعش، إلى التشكيلات المسلحة الجاري بناؤها حديثًا بعد الأسد، وهل ساعده هذا الخلل في معرفة تفاصيل الاجتماع، وتنفيذ هجومه الدموي رغم أنه “عنصر أمن عادي” حسب وزارة الداخلية؟

ويبدو أن هذا الخلل ليس حادثة منفردة في تدمر، بل هو سلوك لدى مقاتلين موالين للسلطة، فاحتفاؤهم بالعنف، ونشر جرائمهم على وسائل التواصل الاجتماعي، سواء خلال أحداث العنف في الساحل السوري، والتي راح ضحيتها حسب وكالة رويترز ما يقارب “1500 مدني علوي على يد فصائل تضم أجانب تخضع لسيطرة الحكومة الجديدة”، ثم يعودون بنفس طقوس الاحتفاء وينشرون جرائمهم مرة ثانية خلال الهجوم الذي نفذته القوات الحكومية على السويداء، وتسبب وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان بمقتل “401 مدني درزي، بينهم 26 امرأة و14 طفلًا”، ورغم إعلان السلطة فتح تحقيقات وتحويل للقضاء، إلا أن الإجراءات لا زالت مثار شكوك وغير شفافة.

تهدد ازدواجية المعايير، وقوة السلطة الدينية على حساب مؤسسات الدولة، مستقبل أي بناء مؤسساتي، فمثلًا اعتُقل الصحفي إياد الشربجي لعدة ساعات يوم الأحد الماضي بناءً على شكوى قال أنصاره بأنها كيدية من محامٍ يتهمه فيها بالقدح والذم وإثارة النعرات الطائفية وتهديد الوحدة الوطنية، مُستندًا على مقطع مُصوَّر نشره شربجي على وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن أن الجيل الذي نشأ في محافظة إدلب خلال سنوات الحرب، يُعاني من أمراض نفسية، مع أنه ووفقًا لمحامين مختصين، يجب أن يحاكم طليقًا وألا يُعتقل من قبل الشرطة، في مقابل مئات الأشخاص الذين يحرضون على العنف، وينشرون خطاب الكراهية ضد المختلفين معهم، ومع ذلك لم يتم اعتقالهم أو توجيه أي تهمة لهم. كما ألغيت فعالية موسيقية بعنوان “سيمفونية سورية من أجل السلام” للموسيقار مالك جندلي، وهو موسيقي أمريكي سوري، في ذكرى سقوط نظام الأسد، كان من المفترض تأديتها بجانب ساعة حمص التي شهدت أول اعتصام مدني في الثورة السورية، بعد أشهر من التدريب بفتوى دينية من مفتي مدينة حمص الشيخ سهل جنيد قال فيها (هو طاعة للرحمن أولاً وآخراً)، وهذه الممارسات تثبت أن قمع الأصوات المدنية مُقدَّم على مُحاربة التطرف لدى سلطة أحمد الشرع.

يبدو ألا أفق في المدى المنظور لتغيير هذه السياسة لدى الشرع، فهو مُضطر للاعتماد على هذه العناصر المُؤدلجة، فهي التي قاتلت معه لسنوات طويلة، ويثق بها، ولا يملك حاليًا أي تشكيلات جديدة قادرة على ملء الفراغ الذي قد يحدث نتيجة مُحاربة هذه التشكيلات، وقد تنقلب عليه، خصوصًا أن الأصوات بدأت تتعالى من جمهوره تنتقد سياساته في التقرب من الأمريكيين، ولا يرغب حاليًا بالاصطدام بهم ولا يستطيع التخلي عنهم، ويظهر هذا جليًا في اضطراره للتراجع عن اقتحام “مخيم الفرنسيين” الذي يقوده الفرنسي ذو الأصول السنغالية (عمر ديابي) المعروف بـ “عمر أومسن” بعد أن تدخل مُقاتلو الحزب الإسلامي التركستاني لإيقاف القتال بين القوات التابعة لحكومة الشرع وقوات أومسن، واللجوء إلى “المحكمة الشرعية” لحل القضايا بينهم حسب نص الاتفاق الذي أوقف الاشتباكات بينهم، وهذا يدل على ضعف مؤسسات الدولة المدنية مُقابل قوة المؤسسة الدينية.

التفكيك من الداخل

يراهن الغرب على تفكيك الفصائل المتطرفة من الداخل، من خلال زعيمها نفسه، حيث يتم تقديم مكاسب سياسية ملموسة للقادة مثل المناصب والعفو، مُقابل التخلي عن العنف، وإطلاق مسار مُراجعات فكرية كما حصل مع الجماعة الإسلامية بمصر، ومُحاربة الشخصيات ذات الكاريزما والتي لا تلتزم بالتوجه الذي انطلق وتنافس الزعيم الذي يقوم بهذا العمل، وسبق أن قتل التحالف الدولي أو اعتقل عددًا من قادة تنظيم داعش في إدلب، قبل وصول الشرع إلى الحكم وبعده توسع في مناطق أخرى من سوريا. وفي حالتنا فقد رفع مجلس الأمن اسمي الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا) ووزير داخليته أنس خطاب (أبو أحمد حدود سابقًا) من قائمة العقوبات الدولية، واستقبله قادة دول عديدة، عربية وأجنبية، وكان ترامب منهم، حيث استقبله في مكتبه في البيت الأبيض برفقة وزير خارجيته أسعد الشيباني (أبو عائشة/زيد العطار سابقًا)، وصرح ترامب أمام الصحفيين: “يقول البعض إن ماضيه كان مضطربًا. كلنا مررنا بماض مضطرب” في إشارة إلى أن اسمه كان مُدرجًا حتى وقت قريب على قائمة واشنطن السوداء للإرهاب. لكن حوادث أمنية كثيرة كان آخرها ما حصل في تدمر تؤكد أن النهج المُتبع غير مجد، ويفتقر إلى آليات تحقق صارمة، فما يُقدّمه الشرع من تصريحات علنية، يتناقض مع ممارساته الحقيقية على الأرض، فمقتل الجنود الأمريكان في بلده على يد متطرف، وأحداث العنف في الساحل والسويداء، قد يفتح التساؤل حول قدرته على منع تدفق اللاجئين، أو تسلل إرهابيين إلى أوروبا، وهو ما أكده تقرير دانماركي صدر بعد زيارة وزير خارجيتها إلى سوريا وأكد التقرير أن “سوريا غير آمنة”.

إن التكوين العقائدي، واستمرار التماهي بين السلطة ومؤسسات الدولة، سيؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بنكهة دينية، عبر استبدال أيديولوجيا جهادية بأيديولوجيا بعثية، وعائلة الشرع بعائلة الأسد، دون حل حقيقي وجذري لمشكلة التطرف، ولهذا فإن استمرار الغرب بهذا المسار، دون رقابة حقيقية للشروط التي وضعها مجلس النواب الأمريكي، عند موافقته على رفع عقوبات قيصر عن سوريا، يُعد استمرارًا في دورة جديدة من الفساد والفشل.

كيف نصحح المسار؟

لا شك أن الشرع يتبنى الميكافيلية بشكل كامل تقريبًا، وهو مستعد لتنفيذ كل شروط الغرب، مُقابل البقاء في منصبه، وهذا ما تريده عادة الحكومات، لكنه حل مؤقت، لا يفي بالاحتياجات الاستراتيجية للقوى الغربية في ظل الصعود الصيني الروسي، وتقديمهم لنماذج الاستبداد على أنها قوة وهيبة للدولة، ومحاولتهم النيل من ثقافة الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان التي وصل لها الغرب، بعد أن دفع أثمانًا غالية من دماء أبنائه، واليوم حين يُساعد على بناء سلطة مُستبدة جديدة في منطقة حيوية بالشرق الأوسط مثل سوريا، فإنه يُساهم في بقاء عدم الاستقرار وهو وصفة سريعة للاقتتال الأهلي كما حدث في الساحل، وبعده في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق، والسويداء في الجنوب السوري.

أرى أن الحل ينطلق من ممارسة الدول الغربية ضغوطًا حقيقية على الشرع، ووضع جدول زمني لتنفيذ الشروط الغربية لتحقيق استقرار دائم، وأعتقد أن هناك ضرورة لتكليف ضُباط مُحترفين انشقوا عن نظام الأسد يحظون بقبول دولي وإقليمي، بمهمة إعادة بناء مؤسسات الجيش والأمن على أسس وطنية، بعيدًا عن الحالة الفصائلية التي كانت، وعن الأيديولوجيات (قومية كانت أو دينية أو اشتراكية أو أيًا كانت).

كما أرى أن الدفع باتجاه مؤتمر وطني حقيقي، يضع السوريين جميعًا على طاولة مُستديرة، ليُقرروا هم مسار التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، سينتج دولة يمكن لها أن تعيش وتستمر دون أن تُسبب أزمات لجيرانها، وهذا لا يتم إلا عبر ضغط حقيقي لفصل المال عن السلطة، فإدارة شقيق الرئيس لفريق سري – حسب تقرير لرويترز – يجمع بعضًا من أقرب المقربين للشرع ومنهم شقيق زوجته، يعمل هذا الفريق على جمع الإتاوات المالية من التجار والصناعيين، خصوصًا من رجال الأسد السابقين، يطرح تساؤلات حول أماكن صرف هذه الأموال، وهذا يتطلب وضع أعلى معايير للشفافية المالية، كي لا تذهب الأموال لأيدٍ خاطئة وتُموّل تنظيمات إرهابية، أو سلطة مُستبدة تُعيد إنتاج كل الفشل الذي كان بعهد الأسدين الأب والابن.

إن الطريق إلى الجمهورية السورية الثالثة ديمقراطية مُستقرة لا تُسبب مشاكل لجيرانها أو قلاقل أمنية على المستوى الدولي، لا يمكن أن يتم دون تدخل حقيقي من الغرب، يُعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان، وليس على أسس الاستبداد والأيديولوجيات المتطرفة كي لا ندفع مزيدًا من الدماء.

  • Social Links:

Leave a Reply