ديما حسين صلح
في لبنان، لا تكمن المأساة في الطائفية وحدها، بل في قدرتها المدهشة على تعلّم اللغات.
تتعلّم لغة النقد كي تفلت من النقد، وتستعير مفردات خصومها كي تُحاكمهم بها، ثم تتقدّم إلى المنصّة بوصفها وعيًا متقدّمًا. هنا بالضبط يظهر اليسار الطائفي، لا اليسار كتجربة تاريخية ولا الإرث النضالي الذي صنعه أناس صادقون واجهوا الواقع واعترفوا بالهزائم وصالحوا التاريخ، بل نسخة متخشّبة تتعامل مع اليسار كهوية إضافية، وكقناع أخلاقي يُلبس عند الحاجة ويُخلع عند الامتحان.
هذا اليسار لا يهزم الطائفية يؤجّلها ببلاغة لا يفككها بل يخبّئها في اللغة.
يقدّمها كتحليل، ويؤجّل انفجارها إلى لحظة الاحتكاك،يتحدّث عن الصراع الطبقي والعدالة والأممية، لكن ما إن يُمسّ وتر الجماعة حتى يسقط التحليل من اليد كما يسقط كتاب غير مقروء، وتخرج العصبية عارية بلا تهذيب.
حين تبيّن أن غالبية الثائرين من السنّة، انهارت الأممية دفعة واحدة، تبخّر الخطاب الطبقي، وخرج اليساري من مخبئه العلماني مرتديًا درع الخوف من الأكثرية
يساريّ حتى أول اختبار، علمانيّ حتى أول خلاف، أمميّ إلى أن تُمسّ الطائفة، عندها يعود التاريخ إلى نسخته الأكثر بدائية، وتعود المفردات إلى قاموس الغلبة والحق (الأعمق).
إقرأ أيضا: علي الأمين: «حزب الله» يفاوض على البقاء لا على النصر وشيعة لبنان يستعدون لما بعد «الحزب»
في التجربة اللبنانية، لا يبدو هذا خللًا فرديًا بقدر ما هو نمط متكرر،يسار يعيش على ذاكرة معارك لم يعد يفهم شروطها، ويستعمل لغة تحررية في مجتمع لم يعمل يومًا على تفكيك بنيته الطائفية فعليًا.
يتخيّل نفسه فوق الجماعات فيما هو غارق فيها حتى النخاع، وأكثرها إنكارًا لذاته، وأشدّها حساسية لأي مسّ بالتوازن
ثم جاءت الثورة السورية، لا كحدث سياسي فحسب، بل كلحظة كشف أخلاقي.
هنا لم يُمتحن الذكاء، بل صدق المبادئ. وحين خرج السوريون إلى الشارع، لم يرَ هذا اليسار شعبًا يُذبح، بل رأى خطرًا ديموغرافيًا. لم يرَ استبدادًا، بل تعقيدًا، لم يرَ دولة بوليسية، بل محورًا وفجأة صار حق الشعوب في الثورة قابلًا للتأجيل، وصار القتل مسألة سياق، وصار الطاغية أهون الشرور، لا لأنه أقل استبدادًا، بل لأنه يقف في الخندق الآمن طائفيًا.
وحين تبيّن أن غالبية الثائرين من السنّة، انهارت الأممية دفعة واحدة، تبخّر الخطاب الطبقي، وخرج اليساري من مخبئه العلماني مرتديًا درع الخوف من الأكثرية.
حين خرج السوريون إلى الشارع، لم يرَ هذا اليسار شعبًا يُذبح، بل رأى خطرًا ديموغرافيًا. لم يرَ استبدادًا، بل تعقيدًا، لم يرَ دولة بوليسية، بل محورًا وفجأة صار حق الشعوب في الثورة قابلًا للتأجيل، وصار القتل مسألة سياق
انقلب الخطاب من نقد السلطة إلى شيطنة المجتمع، ومن الدفاع عن الضحايا إلى القلق على التوازن،لم تعد المشكلة في طبيعة الحكم، بل في هوية من قد يحكم، ولم تعد الديمقراطية قيمة، بل مخاطرة إن لم تأتِ بنتائج مطمئنة مذهبيًا.
ومع تغيّر المشهد السوري ووصول الأكثرية السنّية إلى الحكم، لم يظهر نقاش جدي في البرامج ولا تفكيك دستوري ولا مساءلة سياسية ناضجة.
ظهر بدل ذلك نواح طائفي بلغة يسارية مُعاد تدويرها: خوف من (الغلبة)قلق على (الهوية)ورثاء مبطّن لدولة استبداد لأنها كانت، يومًا ما، (تؤمّن التوازن)
كأن المأساة لم تكن في عقود القمع، بل في خروج مفاتيح السلطة من يد (الطرف المناسب)
وهكذا تتطابق التجربتان اللبنانية والسورية تطابقًا فاضحًا،يسار يعادي الطائفية حين تكون خارج جماعته، ويتسامح معها حين تصبح أداة دفاع.
مع تغيّر المشهد السوري ووصول الأكثرية السنّية إلى الحكم، لم يظهر نقاش جدي في البرامج ولا تفكيك دستوري ولا مساءلة سياسية ناضجة
يرى الاستبداد جريمة حين يمارسه الخصم، ويبرّره حين يخدم (القضية)
يتحدّث عن الدولة، ويصفّق لتعطيلها إن كان التعطيل صادرًا عن السلاح (الصحيح)
وعند حزب الله يسقط القناع الأخير،يتحوّل السلاح من أداة إلى قدر، ومن خيار سياسي إلى مقدّس، ومن موضوع نقاش إلى خط أحمر.
تُلغى الدولة باسم المقاومة، وتُلغى السياسة باسم العقيدة، ويُطلب من اليساري أن يكون تقدميًا بشرط الصمت، علمانيًا بشرط الطاعة، ناقدًا ضمن هوامش ترسمها الطائفة.
إقرأ أيضا: فيديو يثير جدلا من طرابلس: فتيات صغيرات يرفضن الاحتفال في «أعياد المشركين»
ليست هذه حكاية يسار خُذل، بل مهزلة يسار انكشف،وعي لم يفشل في تطبيق أفكاره بقدر ما فشل في فهم نفسه.
تعلّم الماركسية كما تُحفظ الشعارات لا كما تُفهم الفلسفات، واستعملها لا لتحرير الإنسان، بل لتجميل انحيازاته حين تتطلّب اللحظة ذلك.
هذه ليست حماية للأقليات ولا خوفًا مشروعًا من الفوضى، بل طائفية خجولة بلغة تقدّمية أخطر من الطائفية الصريحة لأنها لا تصرخ، بل تُنظّر، ولا تلعن، بل تُبرّر، ولا تعترف بنفسها أبدًا.
وفي لبنان وسوريا معًا، هذه المهزلة ليست تفصيلًا، بل أحد الشروط العميقة لاستمرار الخراب.
جنوبية
Social Links: