نبيل المملوك- جنوبية
لم يتعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى اللحظة، مع نظام المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي بلهجة حاسمة وواضحة المعالم. فعلى الرغم من تصعيده السياسي اللفظي المتواصل في الآونة الأخيرة، والتلويح بإقصاء نظام تمددت أذرعه الإقليمية وحوّلت إيران إلى لاعب أساسي في قلب العاصفة، لا يزال ترامب يمارس سياسة متساهلة فعليًا مع طهران.
يأتي ذلك بالتوازي مع دعاية سياسية إسرائيلية مكثّفة تقوم على مسارين: الأول، تعويم رضا محمد رضا بهلوي كحاكم محتمل لـ«إيران الجديدة»، والثاني، تمرير الرواية الإسرائيلية إلى المسؤولين الأميركيين – وكان آخرهم وزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو – حول دعم عناصر من الموساد للاحتجاجات داخل إيران.
ورغم كل ذلك، تواصل إدارة ترامب التعاطي المرن مع نظام خامنئي، الذي يرفض التفاوض والتسوية وفق الشروط الأميركية، وهو ما يتجلّى بوضوح عبر ثلاث «هدايا» سياسية قدّمها ترمب مؤخرًا للمرشد الإيراني، في محاولة غير مباشرة لإنقاذ النظام من غضب الشارع، وفي الوقت نفسه الإبقاء عليه ضمن معادلات واشنطن الضرورية لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، تلك التي بشّرت بها كوندليزا رايس خلال حرب تموز 2006.
الهديّة الأولى: سنتدخّل حين تطلقون النار على المتظاهرين
قالها ترامب بوضوح: إذا أطلق الأمن الإيراني النار على المتظاهرين، فسنتدخل لحمايتهم.
غير أن العودة إلى التجربة القريبة تُظهر مفارقة لافتة. ففي 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وخلال ولاية ترمب الأولى (2017–2021)، خرج الإيرانيون إلى الشارع احتجاجًا على الغلاء ورفع أسعار المحروقات بنسبة 300%. أسفرت تلك الاحتجاجات عن مقتل ما لا يقل عن 304 متظاهرين، بحسب تقرير منظمة العفو الدولية عام 2020. يومها، لم يتدخل ترامب، ولم يهدد خامنئي، بل اكتفى بخطوة استباقية في حزيران/يونيو 2019 عبر فرض عقوبات شملت المرشد نفسه.
تثبت هذه الوقائع أن ترامب أضاع – أو تجاهل عمدًا – فرصة إسقاط النظام الإيراني عام 2019، لأن واشنطن كانت بحاجة إلى الإبقاء على طهران بوصفها «العدو البديل» للعرب، تمهيدًا لانطلاق قطار «اتفاقات أبراهام» الذي وصل إلى الإمارات في آب/أغسطس 2020.
اليوم، يبعث ترامب برسالة غير مباشرة إلى خامنئي مفادها: لا ترتكب حمّام دم، اقمع الاحتجاجات بأدوات إصلاحية ناعمة، كن عدوّ العرب، أعد إنتاج عقدة الخليج، ودع تل أبيب تتوسع وتطبّع بهدوء.
رسالة تلقّاها خامنئي مع اتساع رقعة الاحتجاجات، ليجيب: «لن نركع للعدو».
الهديّة الثانية: تقريظ أردوغان أمام نتنياهو
بحسب مصدر دبلوماسي إيراني كانت «جنوبيّة» قد نقلت عنه سابقًا، تسعى طهران للعودة إلى الساحة السورية عبر المدخل السياسي، والتشبيك مع تركيا، شريكتها في مسار أستانا.
تركيا، صاحبة النفوذ الأقوى اليوم في سوريا، تعمل على جذب إيران إلى المشهد السوري بهدف ردع إسرائيل ودفعها إلى تفاوض أمني غير مباشر. وقد تكون إيران، في هذا السياق، مجرّد جسر عبور للمصالح التركية.
غير أن إشادة ترامب العلنية بأردوغان، ومنحه الفضل في إسقاط نظام آل الأسد، حملت أكثر من رسالة: الأولى، كبح جماح نتنياهو وتحركاته العسكرية في جنوب سوريا وضد الجيش السوري؛ والثانية، تقديم هدية سياسية لخامنئي تتيح له الاستمرار في التشبيك مع أنقرة، على أمل استعادة نفوذ إيراني – ولو محدود – في سوريا، مقابل تقديم تنازلات أثمن في ملفات أخرى، كالنووي، واليمن، والعلاقات الاقتصادية مع الهند والصين.
يبعث ترامب برسالة غير مباشرة إلى خامنئي مفادها: لا ترتكب حمّام دم، اقمع الاحتجاجات بأدوات إصلاحية ناعمة، كن عدوّ العرب، أعد إنتاج عقدة الخليج، ودع تل أبيب تتوسع وتطبّع بهدوء.
الهديّة الثالثة: اعتقال مادورو
يشكّل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تذكيرًا صارخًا بمصير نيكولاي تشاوشيسكو، الذي انتهت عنترياته السياسية إلى الإعدام.
قد لا يلقى مادورو المصير نفسه، لكنه، بحسب مراقبين، أهدر فرصًا عديدة لتسوية وضعه والخروج إلى المنفى بكرامة.
هذا التطور كان ضربة قاصمة لإيران: ففنزويلا مثّلت رئة اقتصادية موازية لطهران الخاضعة لعقوبات أميركية وأوروبية، وسقوطها أربك حزب الله أمنيًا وقياديًا وماليًا. في المقابل، شكّل الحدث «هديّة تحذيرية» لنظام طهران الأيديولوجي، الذي سارع إلى نقل خامنئي إلى مخبأ جديد، في إشارة إلى إدراك حجم الخطر.
منحت هذه الخطوة خامنئي فرصة أخيرة «لتحسّس رقبته السياسية»، علّه يعيد تصويب المسار ويساوم على ملفات المنطقة، تمهيدًا لمفاوضات نووية محتملة في جنيف.
وردّ المرشد كان واضحًا: «لن نسمح لأحد بالعبث بأمن إيران».
من العقيدة والمال إلى عنق الزجاجة
تدرك طهران اليوم أنها تخسر أدواتها تباعًا. تقاتل ومعها حزب الله بسلاحين أساسيين: العقيدة، عبر توظيف الدين في خدمة السياسة والسلاح؛ والمال، أو ما تبقى منه، لتخدير الجمهور وشراء الولاءات، في ممارسة ميكافيلية كلاسيكية لكسب رضا الناس وتبعيتهم.
لكن إخراج فنزويلا من المعادلة الإيرانية سيُبقي طهران عالقة في عنق الزجاجة الخطابية. ومع توسّع الاحتجاجات، قد تتحوّل هذه الخسارة إلى الضربة القاضية للنظام، إذا ما قرر خامنئي التقاط «الهدايا» والذهاب إلى تسوية داخلية تحفظ ما تبقى من ماء وجهه إقليميًا ومحليًا ودوليًا
Social Links: