سقوط المثقف في فخ القبيلة.

سقوط المثقف في فخ القبيلة.

زكريا_نمر

ينظر إلى المثقف في المجتمعات الحديثة بوصفه فاعلا نقديا، يتجاوز حدود الانتماءات الأولية، ويشتبك مع القضايا العامة بعقل مفتوح ومسؤولية أخلاقية غير أن الواقع في كثير من المجتمعات الهشة يكشف عن نمط مقلق هو المثقف القبلي ذلك الذي يحمل أدوات المعرفة، لكنه يوظفها داخل إطار القبيلة، لا في أفق الوطن.

المثقف القبلي ليس بالضرورة شخصا جاهلا أو عديم التعليم، بل هو فرد يمتلك قدرًا من المعرفة واللغة والقدرة على التأثير، لكنه يظل أسيرا لانتمائه الأولي. وعيه السياسي والاجتماعي مشروط بمصلحة القبيلة، ورؤيته للوطن تمر دائما عبر عدسة نحن وهم هو مثقف حين ينتقد الآخرين، وسلطوي حين ينتقد هو أو قبيلته. في المجتمعات التي تعاني من ضعف الدولة، تبرز القبيلة كبديل رمزي ووظيفي. جد المثقف القبلي مبررا أخلاقيا لسلوكه أن الدفاع عن القبيلة هو دفاع عن البقاء. غير أن هذا التبرير يُغفل أن تحويل القبيلة إلى مرجعية سياسية وأخلاقية يُقوض فكرة الدولة نفسها، ويمنع تشكل عقد اجتماعي عابر للهويات الضيقة. من أسوء سمات المثقف القبلي ازدواجية المعايير. فهو يرفع شعارات العدالة والشفافية عندما يتعلق الأمر بالآخرين، لكنه يلجأ إلى الصمت أو التبرير عندما تكون القبيلة طرفا في الخطأ. هذه الازدواجية لا تفضح فقط ضعف النزاهة الفكرية، بل تفرغ الخطاب النقدي من معناه، وتحوّله إلى أداة صراع لا أداة إصلاح.

حين يتعرض نقد القبيلة، يتقمص المثقف القبلي دور السلطان الرمزي. يستخدم اللغة، والتاريخ، والأساطير الجمعية لتخوين الناقد، وتجريده من الوطنية. هنا تتحول الثقافة إلى سلاح، ويصبح المثقف حارسًا للتابوهات، لا كاسرا لها. يساهم هذا النمط من المثقفين في تعميق الانقسام الاجتماعي. فبدل أن يكون المثقف جسرا بين المكونات المختلفة، يصبح متراسا. ويعاد إنتاج الصراع جيلا بعد جيل، لأن الخطاب الثقافي نفسه يغذي الانقسام بدل تفكيكه. الوطنية، في خطاب المثقف القبلي، ليست التزاما بالقيم العامة، بل ولاءً انتقائيا. الوطن هو القبيلة حين تستفيد، والدولة حين تمنح الامتيازات. هذا التزييف يُفقد الوطنية بعدها الأخلاقي، ويحولها إلى شعار للاستهلاك السياسي. المثقف الحقيقي لا يُقاس بكمية المعرفة، بل بقدرته على قول الحقيقة، خاصة حين تكون موجعة لجماعته. الصمت عن أخطاء القبيلة خيانة للمعرفة، قبل أن يكون خيانة للوطن. ومن دون هذه الجرأة الأخلاقية، تفقد الثقافة دورها التحرري.

تعود جذور المثقف القبلي إلى التنشئة الاجتماعية، وضعف التعليم النقدي، وغياب دولة القانون. حين يكبر الفرد في بيئة تكافئ الولاء وتعاقب النقد، يصبح الانتماء أداة أمان، لا خيارًا واعيًا. إعادة تعريف دور المثقف بوصفه فاعلًا نقديًا لا ممثلًا لجماعة يعد خطوة اساسية في تحرير الوعي من الولاءات الضيقة. كما ان ادماج التفكير النقدي في المناهج التعليمية، بدل التلقين والهويات المغلقة، يسهم في تكوين اجيال قادرة على مساءلة المسلمات. ويضاف الى ذلك تشجيع الكتابة العابرة للقبائل، التي تنطلق من قيم المواطنة والعدالة، باعتبارها ممارسة ثقافية ضرورية لاعادة بناء المجال العام.

يبرز بناء مؤسسات ثقافية مستقلة تحمي حرية النقد بوصفه شرطا لازما لانتعاش الدور الثقافي. كما ان دعم الاعلام المهني الذي لا يخضع للولاءات القبلية يحد من تزييف الوعي العام. ويظل ترسيخ دولة القانون، بحيث لا تكون القبيلة ملاذا من المساءلة، الركيزة الاساس لانهاء منطق الحماية العصبوية. فان فتح حوارات مجتمعية صريحة حول الهوية والانتماء يساعد على كسر الصمت والخوف. ويقود تفكيك خطاب التخوين، واستبداله بثقافة الاختلاف، الى تهدئة المجال العام. كما ان الاعتراف بان نقد القبيلة من داخلها شرط للتطور لا تهديد للوجود يمثل تحولا جوهريا في الوعي الجمعي. إن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب شجاعة فكرية، وإصلاحًا مؤسسيا، وتحولا ثقافيا طويل الأمد. وحده المثقف الذي يضع الوطن فوق القبيلة، والحقيقة فوق الولاء، قادر على المساهمة في بناء دولة عادلة، تتسع للجميع دون استثناء.

  • Social Links:

Leave a Reply