سارة اليوسف

من داخل الهيكل:
دائمًا ما يسكنني إحساسٌ غريب: أنني كنبات نُقل من تربته الأصلية. هذا ليس نزوة عابرة، بل نتيجة حوار طويل مع الإرث الذي أحمله. فكيف يُعقل أن تنتمي إلى بناء روحي عظيم، بينما ترى الشقوق في أساساته التاريخية؟ كيف تبقى في مذهبك الدرزي، وأنت ترى في نصوصه المؤسسة عجلةً وضرورة تاريخية أكثر مما ترى حكمةً مطمئنة؟ رحلتي مع هذا السؤال قادتني إلى ضرورة فصل جذري: فصل “الحكمة” كتطلع إنساني سامٍ، عن “التاريخ” كجهد بشري مُعْتَلّ.
عندما تقرأ “رسائل الحكمة” باحثة عن الخطاب الفلسفي المتسق، تصطدمين بواقع النص: لغةٌ تتراوح بين الرمز الغامض والعامية الدارجة، وخطابٌ هجومي على كل الموروث الديني السابق، وإحساسٌ عام بأن كل شيء كُتب في عجلة من أمره. السياق التاريخي يفسر ولكنه لا يبرر تمامًا: لقد وُلد المذهب في رحم الدولة الفاطمية المضطربة، تحت جناح شخصية غامضة ومزعزعة مثل الخليفة الحاكم بأمر الله. هنا يظهر حمزة بن علي ليس كحكيم متأمل فحسب، بل كـ “استراتيجي مشروع” ذكي، يغتنم لحظة فرصة تاريخية هشة – قد تكون لحظة حماية، ولكنها بلا شك لحظة خطر – لبذر بذور فكرته بسرعة خاطفة، قبل أن تنقضي اللحظة أو تنقلب عليه. هناك فجوة بين ضخامة الادعاء (التمسك بالحكمة الأزلية) وضآلة الوسائل النصية والتاريخية الأولى.
لكن العبقرية الحقيقية تكمن في ما حدث لاحقًا: هندسة سردية كونية موازية تتعالى على هذه الهشاشة المؤسسة. كيف؟ أولاً، عبر تحويل المؤسسين من قادة تاريخيين إلى حقائق ميتافيزيقية، فأصبح حمزة هو “العقل الكلي” المتجسد، وغيره من “الحدود”. ثانيًا، عبر تأويل كل التاريخ الديني السابق ليكون مجرد ظهورات متتالية لتلك الحقائق الثابتة، فآدم وموسى والمسيح ومحمد لم يعودوا سوى تجليات جزئية لحقيقة واحدة مستمرة. هكذا تُختَرق التاريخيةُ لصالح الباطنية، وتصبح الجماعة حارسةً لسرّ أزلي. ثالثًا، تحويل القرارات التكتيكية الصعبة إلى فضائل عقائدية، فأصبح إغلاق الدعوة والانكفاء الاجتماعي علامة على “الاصطفاء”، وأصبح النسق الهرمي الداخلي الصارم (العقال والجهال) مسارًا روحيًا تقدميًا يمكن فيه “رفع السقف” بالاجتهاد الشخصي والزهد.
وهنا يأتي سؤال البقاء. كيف أتعايش مع هذا التناقض بين سمو الغاية ووعثاء الطريق التاريخي؟ الجواب ليس في القبول الأعمى ولا الرفض الجارح، بل في فك الاشتباك الواعي:
- قبول التاريخ كجهد بشري ناقص: أن أرى في “رسائل الحكمة” ونشأة المذهب وثيقةَ كفاح جماعة تحاول البقاء ونشر فكرتها في عالم معادٍ، تحمل كل بصمات عصرها: خوفها، عجلتها، حيلتها البلاغية، وصراعاتها الداخلية. فهي ليست كلامًا منزلاً، بل هي محضر تأسيسي إنساني.
- التشبث بالحكمة كتطلع شخصي: أن أتعلق بما حاول ذلك الجهد نقله في جوهره: فكرة وحدة المعرفة الروحية للإنسان، ورفع شأن العقل، والنقد الضمني للطقوس الجوفاء، والمسعى الأخلاقي نحو الكمال. هذه القيم هي تربتي الحقيقية.
- الانتماء إلى التجربة الحية: أن أنتمي ليس فقط إلى نصوص مؤسسة، بل إلى ذاكرة الجماعة الحية، إلى تلك الأخلاق اليومية، وتلك الحكايات المتداولة (“كنا مع إدريس”)، وإلى ذلك المسار الصوفي العملي الذي يطلب مني ضبط اللسان والنظر والمأكل كتمارين للحرية الداخلية، لا للقيد الخارجي.
في النهاية، ربما لم أعد ذلك النبات المغترب. لقد تعلمت أن أفرق بين التربة الصخرية التي نبتت فيها البذرة أولاً، والجوهر الحي الذي تحمله البذرة نفسها. أنتمي إلى هذا الجوهر، وأحمل في نفسي مسؤولية استنباته من جديد، في وعيي الخاص، بعيدًا عن عجلة التاريخ الأولى، لكن ممتدةً بحلمها القديم نفسه. البقاء في المذهب، بهذا المعنى، لم يعد قبولاً بسردية جاهزة، بل أصبح مسؤولية شخصية عن إعادة اكتشاف الحكمة في كل طور من أطواري.
Social Links: