بسام شريف
هل في سوريا اليوم بنية اجتماعية قادرة على إنتاج قيادة انتقالية غير سلطوية
أم أن الفراغ القيادي هو ما يدفع المجتمع إلى البحث عن قبضة قوية.
أولاً: ما الذي نحتاجه لإنتاج قيادة غير سلطوية؟
أي قيادة انتقالية غير سلطوية تحتاج إلى ثلاث طبقات اجتماعية داعمة:
- طبقة وسطى مستقرة اقتصادياً
- نخب سياسية مستقلة ومنظمة
- مجتمع مدني قادر على الضغط والمساءلة
إذا اختلّ أحد هذه العناصر، تميل الكفة نحو “الرجل القوي”.
ثانياً: ماذا حدث لهذه البنية في سوريا؟
1– الطبقة الوسطى: تآكل واسع
— هجرة واسعة للمتعلمين.
— انهيار اقتصادي.
— فقدان الاستقلال المادي.
والطبقة الوسطى تاريخياً هي الحامل الاجتماعي للديمقراطية.
عندما تضعف، يضعف معها الطلب على الحكم المؤسسي.
2 -النخب السياسية: انقسام وتآكل
بعد 2011، تشكلت كيانات معارضة عديدة، لكنها:
—افتقرت إلى قيادة موحدة.
— تورطت في صراعات داخلية.
— تأثرت بالاستقطابات الإقليمية.
النتيجة: فقدان الثقة الشعبية بالنخب السياسية.
وهنا يحدث الفراغ.
3-المجتمع المدني: نشأ ثم أُجهض
شهدت السنوات الأولى للثورة تجارب محلية مهمة:
— مجالس محلية.
— مبادرات تطوعية.
— شبكات إغاثة مستقلة.
لكن الحرب، والتدخلات المسلحة، وصعود قوى أمر واقع، أضعفت هذا المسار.
ثالثاً: هل هذا يعني أن البنية غير موجودة؟
ليس تماماً.
البنية موجودة لكن:
— مشتتة جغرافياً (داخل/خارج).
— منهكة نفسياً.
— فاقدة للثقة المتبادلة.
— بلا مركز تنظيمي جامع.
بعبارة أدق:
توجد طاقات اجتماعية، لكن لا توجد شبكة جامعة تنظّمها.
رابعاً: لماذا يدفع الفراغ نحو “القبضة القوية”؟
عندما يغيب البديل المنظم، يبحث المجتمع عن:
— مركز قرار واضح
— شخصية حاسمة
— قدرة على فرض النظام
ليس حباً بالسلطوية،
بل هروباً من الفوضى المستمرة.
الفراغ القيادي أخطر من الاستبداد أحياناً، لأنه يولّد توقاً للانضباط بأي ثمن.
خامساً: السؤال الأعمق
هل المشكلة في المجتمع؟
أم في غياب مشروع انتقالي واضح ومقنع؟
التجارب العالمية تقول:
المجتمعات لا تُنتج قيادة انتقالية مستقرة تلقائياً.
بل تُنتجها حين تتوافر:
— لحظة توازن قوى.
— إطار دستوري مؤقت.
— ضمانات أمنية.
— خطاب وطني جامع غير إقصائي.
في الحالة السورية اليوم
إذا افترضنا أن البلد في مرحلة انتقال أو إعادة تشكّل سلطة:
فالخطر ليس في أن السوريين يريدون “حاكماً قوياً”،
بل في أن:
— البديل المؤسسي غير واضح.
— الخوف من الانقسام حاضر.
— الثقة بين المكونات ضعيفة.
وهذا ما يجعل أي سلطة حاسمة تبدو “أكثر أماناً”.
نستطيع القول:
سوريا لا تفتقر إلى طاقات قادرة على إنتاج قيادة غير سلطوية.
لكنها تفتقر إلى:
— بنية تنظيمية جامعة.
— ثقة أفقية بين القوى.
— رؤية انتقالية محددة المراحل.
الفراغ القيادي ليس قدراً،
لكنه إن استمر، سيدفع المجتمع تلقائياً نحو البحث عن قبضة قوية.

Social Links: