حكومة الشرع تتهم السوريين بغياب الوعي

حكومة الشرع تتهم السوريين بغياب الوعي

عزت بغدادي

حكومة الشرع تتهم السوريين بغياب الوعي… لكن أين خطة الإصلاح؟

في حديثه في 17 شباط 2026 خلال جلسة حوارية ضمن مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي” قال فخامة الرئيس أحمد الشرع في مقابلة متلفزة
إن “سقف طموحات الناس ارتفع بشكل كبير، وأضحوا يطالبون بكل شيء بسرعة”.

وأضاف أنه يسمع انتقادات ومطالب “ربما دون مراعاة التسلسل الزمني لإصلاح هذه القطاعات”، وأن هناك “غياباً في الوعي المجتمعي العام لآليات الإصلاح”

من النادر أن يخرج رئيس ليقول لشعبه إن المشكلة في وعيه.
الأصل أن تكون المشكلة في الخطة إذا لم تُفهم، لا في الناس إذا لم تُقنع.

فهل نحن أمام إصلاح لم يُشرح؟
أم أمام خطاب يبحث عن شماعة جديدة بعد أن خسر النظام شماعتي “الإرهابيين والعقوبات؟

أين هي خطة الإصلاح التي لم نعيها؟
متى أُعلنت؟
ما جدولها الزمني؟
ما مؤشرات قياسها؟
ما كلفتها؟
من يتحمل العبء؟
ومن يُحمى؟

الوعي لا يُستحضر بالتخاطر.
الوعي لا يُبنى على الثقة المجردة.
الوعي يحتاج معلومات، أرقام، مسارات واضحة.

حين تطلب من الناس أن “تفهم الإصلاح”، فأنت تفترض أن الإصلاح مفهومٌ أصلاً.

دعونا نتصرف كباحثين لا كخصوم.
إذا كانت هناك خطة إصلاح غير معلنة، فيمكننا استنتاجها من السلوك.

الدول لا تُعرَّف بخطبها، بل بقراراتها.

  1. وزير الطاقة ورفع الأسعار

حين يُرفع سعر الطاقة “لحماية المنتج”، يُقال إن الهدف هو استدامة القطاع.

لكن في اقتصاد متآكل القدرة الشرائية، حماية المستثمر عبر رفع السعر تعني ببساطة نقل العبء إلى المستهلك.

الدولة هنا اختارت بوضوح من تحمي أولاً.

في اقتصاد سوق تنافسي متوازن، يمكن الدفاع عن هذا القرار.
لكن في اقتصاد هشّ، حيث الرواتب لا تلحق بالتضخم، فإن حماية المنتج دون حماية المستهلك ليست “إصلاحاً”، بل إعادة توزيع عكسي للدخل.

الدولة التي تقول إنها تحمي “المنتج الوطني” يجب أن تشرح:
هل هذا المنتج يعيش في سوق تنافسي؟
أم في اقتصاد استخراج وريوع ورسوم تسحب أرزاق الناس قبل أن تصل إلى جيوبهم؟

إن كانت الدولة تحمي الحلقة الأعلى دخلاً على حساب الحلقة الأضعف، فالإصلاح هنا ليس اجتماعياً. هو مالي بحت لخدمة المستفيدين.

  1. خطاب “التوقعات المرتفعة”

عندما يقول رأس السلطة إن المشكلة في “سقف طموحات الناس”، فهذه لحظة فكرية دقيقة.

التحول هنا ليس اقتصادياً، بل لغوياً.

بدلاً من أن تكون الأزمة أزمة سياسات، تصبح أزمة توقعات. لكن التوقعات لا تُدار بالوعظ. بل تدار بالشفافية.

في كل تجربة إصلاحية جدية في العالم، من تشيلي إلى بولندا إلى إندونيسيا، كانت هناك:

  • خريطة طريق
  • أرقام منشورة
  • مراحل زمنية
  • تقارير دورية
  • ومحاسبة

أما مطالبة الناس بالإيمان بآليات لا تُذكر، فهي مطالبة بعلاقة طاعة لا علاقة مواطنة. وهذا يأخذنا لطريقة التفكير المفضوحة ليس على الخطيفة أن تسأل محررها إلى أين سيتوجه بها.

في مقابلة “صالون الجمهورية”، حين سُئل عبد السلام هيكل عن من يملك شركتي MTN وسيريتل الآن، ظهر ارتباك واضح.

السؤال كان بسيطاً:
من يملك البنية التحتية الأهم في قطاع الاتصالات؟

الجواب لم يكن بسيطاً.

التلعثم هنا ليس تفصيلاً إعلامياً.
هو عرض لأزمة بنيوية.

في دولة تقول إنها تبني اقتصاداً جديداً، يجب أن يكون واضحاً:

  • من يملك ماذا؟
  • ما هو شكل الملكية؟
  • ما هي العلاقة بين السلطة ورأس المال؟
  • هل القطاع منظم أم معاد توزيعُه بين شبكات نفوذ جديدة؟

حين تصبح ملكية الاتصالات — أحد أكثر القطاعات ربحية — غامضة، فإن خطاب “الإصلاح” يفقد إحدى ركائزه الأساسية: الشفافية.

الإصلاح لا يبدأ بخطاب أخلاقي للتجار، بل بكشف بنية القوة الاقتصادية.

الاقتصاد الريعي لا يُصلَح بالوعظ

حين يخاطَب التجار بـ“اتقوا الله”،
وحين يُلام المواطن على دخله المنخفض من وزير الاقتصاد،
وحين يُقال إن أزمة السيولة هي أزمة ثقة،
وحين يُطلب من الناس الصبر لأنهم لا يفهمون الآليات،

فنحن أمام نمط واحد:

إعادة تعريف الأزمة من بنيوية إلى أخلاقية.

لكن الاقتصاد ليس خطبة جمعة.
هو شبكة حوافز وقوانين وملكية وتوزيع مخاطر.

إذا لم تُمسّ هذه العناصر، فلا يوجد إصلاح.
يوجد فقط إدارة أزمة يومية.

ما الذي يكشفه السلوك؟

إذا جمعنا المؤشرات:

  • رفع أسعار لحماية المنتج دون شبكة حماية واضحة للمستهلك
  • خطاب يحمّل الناس مسؤولية التوقعات
  • غموض في ملكية قطاعات استراتيجية
  • حضور إعلامي مكثف لبناء “ثقة” دون نشر بيانات تفصيلية
  • وفود تطلب موارد، والجواب تأجيل وانتظار

فإن ما نراه ليس خطة إصلاح غير معلنة.

ما نراه هو سلطة تحاول تثبيت التوازن المالي دون إعادة هيكلة حقيقية.

والفرق كبير بين الاثنين.

المسألة ليست أشخاصاً، ر

المشكلة ليست أن هذا الوزير جيد أو سيئ،
ولا أن ذاك المستشار ذكي أو محدود.

المشكلة أن بنية السلطة تبدو أكبر من أدوات من يديرونها.

حين تكون القرارات الجوهرية مركّزة،
وتُدار السياسة النقدية بحساسية سياسية عليا،
وتُترك التفاصيل للوزراء ليتعاملوا مع آثارها،

فإن الوزراء يتحولون إلى منفذين لا صانعي سياسات.

هذه المنظومة التي خلفها الأسد لا راحت ولا عادت

حيث يصبح الخطاب بديلاً عن الإصلاح البنيوي.

إذا كانت هناك خطة إصلاح، فليُعلن عنها.

إن كانت هناك آليات، فلتُشرح.

أما أن يُطلب من الناس أن تفهم ما لم يُقل،
وأن تصبر على ما لم يُخطط،
وأن تثق بما لم يُكشف،

فهذا ليس إصلاحاً.

هذا اختبار إيمان.

والدول لا تُدار بالإيمان، أيها الخطيب المحنك في حضرة العلماء
الدول تدار بالعقد.

وإذا كان العقد غائباً،
فالمشكلة ليست في وعي الناس.

بل في وضوح السلطة.
سلطة بلا عقد… وبلا خطة

  • Social Links:

Leave a Reply