إعادة إنتاج منطق الاستبداد بثوبٍ جديد.

إعادة إنتاج منطق الاستبداد بثوبٍ جديد.

اكرم الصالحة

إن أخطر ما يواجه شعبنا اليوم ليس فقط بقايا النظام البائد، بل إعادة إنتاج منطق الاستبداد بثوبٍ جديد. فحين يُرفع شعار “الجهاد” أو “حماية الدين” لتبرير تصفية الخصوم السياسيين، أو لإقصاء الثوار الحقيقيين، أو لاحتكار مشهد التحرير ونسبه إلى جهة واحدة، فإننا لا نكون أمام مشروع نهضة، بل أمام مشروع سلطة.
المأساة أن بعض الناس يختزل القضية بعبارة: “المهم سقط الأسد، ومن يستلم بعده لا يعنينا”. هذا المنطق هو أخطر أشكال الشعبوية السياسية؛ لأنه يمنح أي سلطة تفويضًا مفتوحًا بلا مساءلة، ويُفرغ الثورة من مضمونها الأخلاقي. سقوط رأس النظام لم يكن غاية بحد ذاته، بل كان خطوة نحو العدالة والحرية وصيانة كرامة الإنسان.
عندما تنشغل السلطة بالكرسي أكثر من انشغالها بمطالب الناس، وعندما تبتعد عن هموم المهجّرين والجائعين والمعلمين والمحرومين، تبدأ الهوة بينها وبين المجتمع بالاتساع. وعندما تُدار الدولة بعقلية الولاء لا الكفاءة، وبمنطق الغلبة لا الشراكة، فإن النتائج تكون احتقانًا متزايدًا واحتجاجات يومية تعبّر عن ألمٍ حقيقي.
إن التاريخ يعلّمنا أن الجماهير قد تنخدع بالشعارات فترةً من الزمن، لكن الجوع لا يُخدع، والظلم لا يستمر بلا كلفة، والوعي يتشكل مع التجربة. وما نراه من تزايد الاعتراضات ليس إلا مؤشرًا على أن الناس بدأت تقيس الواقع بميزان معيشتها وكرامتها، لا بميزان الشعارات.
الثورة لم تقم ليستبدل الناس اسمًا باسم، ولا ليتغير الشعار ويبقى الأسلوب. الثورة قامت لتكسر حلقة الاستبداد، لا لتدور داخلها مرة أخرى.

  • Social Links:

Leave a Reply