متى سنحترم هيبة الدولة، ونبتعد عن غريزة الغابة؟ “فوبيا الحقيقة”

متى سنحترم هيبة الدولة، ونبتعد عن غريزة الغابة؟ “فوبيا الحقيقة”


زكي الدروبي

لقد صرخ الشعب السوري في وجه جلاده يريد الحرية من نظام استبدادي مجرم ناهب لثروات البلاد عميل لقوى الخارج، اختزل الدولة في شخص الرئيس، فأصبحت “سوريا الأسد” بدلاً من أن تكون سوريا العظيمة، سوريا الحضارة والتاريخ العريق، وقدم تضحيات كبيرة على مذبح الحرية، بهدف الوصول إلى دولة المؤسسات، دولة العدل والمواطنة.

لكن أكثر الأخطار التي تواجه العهد الجديد تكمن في الداخل نفسه، في تلك الخلايا التي تمارس “عدالة الرصيف”؛ عدالة الانتقام وغريزة الغابة، فتقتل الأبرياء ومنهم نساء وأطفال بدم بارد، غير عابئين بكل ما تم التضحية به للوصول إلى الاستقرار وبناء الدولة، ويحاولون بهذه الجرائم جرنا إلى مستنقع الفوضى والقتل الغرائزي.

فحين يُقتل أكثر من أربعمائة شخص في حمص خلال العام الماضي، غالبيتهم العظمى ينتمون لأحياء محددة، بينهم العشرات من النساء والأطفال، بنفس الأسلوب؛ دراجة نارية يستقلها مجهولون، يطلقون الرصاص على الضحية فيُقتل ويهربون، بما يشبه الغدر – وهو من شيم الجبناء طبعاً – دون أن نسمع من السلطة أي شيء، فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن نترك “فلول النظام”، أو “العصابات العميلة لقوى خارجية لا تريد الاستقرار للدولة” تعبث بأمن الوطن والمواطن، وتثبت للعالم بأننا طائفيون، أو أننا أمام خلية اغتيالات تمارس القتل العشوائي، بهدف إرهاب الناس ودفعهم لمغادرة حمص، وبهذا نحن نبارك نهجاً يغتال الدولة مع كل رصاصة غدر تُطلق.

للأسف، هناك من يحاول التبرير، فتارة يقول بأن الجريمة فاعلها “فلول”، وتارة أخرى يسحب الغطاء الأخلاقي عن الضحية ليقول بأنه “شبيح”، وثالثة يقول بأن الجريمة “عاطفية”؛ حبيب سابق قتل السيدة وزوجها، أو أن القتيلة كانت تعمل في “الدعارة”… إلخ، ولا تنعدم لديهم التبريرات، محاولين “تنزيه” الواقع، لكنهم في الحقيقة يقدمون أكبر خدمة لمن يريد الإساءة لثورتنا، وتصويرها كثورة طائفية تريد القتل والفوضى ولا تؤمن بالقانون ومؤسسات الدولة كما قال عنها بشار الأسد في بدايات الثورة.

إن القتلة ليسوا ثواراً، حتى لو تغطوا بشرعية الثورة، بل هم خنجر في ظهر الدولة، يغتالون أمن المواطن، وثقته بالدولة الجديدة، ويخربون استقرار البلد وهيبة المؤسسات. ما يحصل في حمص يذكرني بما حصل يوماً ما في عفرين؛ فقد حصلت عملية لتحريرها من ميليشيا (PKK) ورحب الأهالي بالجيش المحسوب على الثورة والمدعوم من تركيا، يريدون خلاصهم من هذه الميليشيا التي تخطف أولادهم وتنهب أرزاقهم وتكمم أفواههم، لكن ما حصل كان صادماً، فقد عاث القادمون الجدد فساداً واستبداداً جديداً، فاعتقلوا ونهبوا وهجروا بذرائع متعددة، وانتشرت الفوضى في تلك المنطقة، وأصبح الناس يترحمون على “النباش الأول”، فهل يسعى هؤلاء المجرمون للترحم على النباش الأول (بشار الأسد) والإساءة للعهد الجديد؟!

إن نسب هذه الجرائم دوماً إلى الفلول، لهو خنجر في ظهر الدولة، ويُظهر أن الأجهزة الأمنية – وبعد أكثر من سنة ونصف من نفس نمط الاغتيال – عاجزة عن ضبط الأمن والأمان وحماية المواطنين في المدينة، وهذا يدفعنا للتفكير والتساؤل: هل هي أهل للسلطة؟ هل الفلول أقوى من مؤسسات الدولة الفاشلة؟ ألا يجب إذاً بعد هذا الفشل أن يتنحى قادتها ليأتي من هو أكفأ منهم ويدير الأمور بشكل أفضل ويمنع هذه الإساءات المتكررة لهيبة الدولة؟

أما إن كان الفاعل من المحسوبين على الثورة، فهذا خيانة للثورة التي خرجت تطالب بالحرية والعدالة، وبناء دولة المؤسسات بعيداً عن الخلط بين القائد والدولة، كما كان يفعل نظام الأسد الذي أطلق على سوريا الحضارة “سوريا الأسد”. من استطاع هدم سلطة الأسد، يجب ألا يهدم الدولة، بل عليه أن يساعد على بناء مؤسسات الدولة، ودعم القضاء، وترك القرار له، وعدم إحلال النفس مكان الدولة، فنكون نحن المدعي والقاضي والجلاد في آن واحد.

أقدر محبة الكثيرين للدولة، ومحاولتهم الدفاع عنها، لكن الدفاع عن هذا الفلتان الأمني، والقتل على الهوية الطائفية، تارة بذريعة الفلول، وأخرى بذريعة الغيرة والعشق و… لهو إهانة للدولة نفسها، إهانة لسوريا التي تحررت من رجس بشار الأسد.

إن فاعلي هذه الجرائم يُظهرون الثورة بأنها تقتات على الغدر، وسيأتي يوم تأكل فيه الثورة أبناءها بعد أن تفرغ من الأعداء، أما الذين يبررون هذا الفعل، فهم يشبهون المنافقين الذين قال عنهم الله في الآية 91 من سورة النساء: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، وهم للأسف أُركسوا في فتنة الدم، عندما برروا عدالة الاغتيال، بلسان ملأ فرعون، وسيجدون أنفسهم غداً في حالة “إبلاس” تام، حينها سيسكتون يأساً حين يرون أن تأييدهم للغدر لم يجلب لهم بناء الدولة التي يتمنونها، بل الخراب والعذاب. لقد أطلق الله اسم “إبليس” على الذي أصابه الغرور ورفض الانصياع إلى أوامر الله سبحانه وتعالى، لأنه انقطع عن كل خير، وهذا يشبه الذي يضرب كلام الله سبحانه وتعالى عرض الحائط.

لقد وصف الله نفسه بأنه العدل، وأمر عباده بالعدل، فقال في الآية الثامنة من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، فهل ستتوقفون عن هذه التبريرات وتنصاعون إلى كلام الله سبحانه وتعالى، أم “ستبلسون” بعد أن تنقطعوا تماماً عن روح الثورة وطهارة المبدأ وعدالة السماء؟!

  • Social Links:

Leave a Reply