زكريا نمر
النزعة الذكورية في مجتمعاتنا ليست مجرد رأي محافظ او خطاب عادي بل هي بنية متجذرة تتخفى احيانا خلف الدين واحيانا خلف العرف واحيانا خلف خطاب ثقافي يبدو حداثيا في لغته لكنه تقليدي في جوهره المؤلم ان هذه النزعة لا تسكن العامة فقط بل تجد لها موطئا بين من يفترض انهم طليعة الوعي اي بين المثقفين انفسهم، و تكمن المفارقة الاكثر قسوة.
الحديث عن النظام القبلي بوصفه الحاضنة التاريخية لهذه الذهنية ليس ترفا نظريا، فالمجتمع القبلي يقوم على اولوية الجماعة وعلى توزيع صارم للادوار وعلى مفهوم للشرف يرتبط في جوهره بالتحكم في جسد المرأة وسلوكها في مثل هذا السياق لا تكون المرأة فردا كاملا بقدر ما تكون رمزا لسمعة الجماعة، لذلك يصبح تحررها تهديدا رمزيا لبنية كاملة لا مجرد خيار شخصي هذه الخلفية تفسر كثيرا لكنها لا تبرر شيئا.
المثقف الذي يتبنى خطابا ذكوريا لا يفعل ذلك دائما عن قناعة فكرية صلبة بل غالبا عن خوف دفين من خسارة موقعه داخل الجماعة، هو يدرك في داخله هشاشة بعض المسلمات التي يدافع عنها لكنه يخشى ان يدفع ثمن المجاهرة بموقف مغاير وهنا يتحول المثقف من ضمير ناقد الى موظف لدى الوعي الجمعي يبرر له تحيزاته بدل ان يفضحها الاخطر انه يوظف ادوات المعرفة نفسها لتزيين التخلف واعادة انتاجه بلغة منمقة.
صحيح ان الانسان كائن اجتماعي يخاف العزلة لكن وظيفة المثقف تحديدا ان يغامر بهذه العزلة حين تتعارض الجماعة مع العدالة ان تبرير التناقض بالضغط الاجتماعي قد يفسر الظاهرة لكنه لا يعفي من المسؤولية الاخلاقية، فالتاريخ لم يتغير على ايدي المسايرين بل على ايدي اولئك الذين قبلوا ان يدفعوا كلفة الموقف.مع ذلك لا يمكن اختزال المسالة في شجاعة افراد فقط الذكورية ليست خطيئة شخصية بقدر ما هي نتيجة شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والرمزية والسياسية حين تكون فرص التعليم والعمل غير متكافئة وحين يكون القانون مترددا في حماية النساء ،وحين يرسخ الاعلام صورة نمطية لدور المرأة فان الخطاب الذكوري يجد تربة خصبة للنمو لذلك فان الدعوة الى المساواة اذا بقيت وعظا اخلاقيا مجردا ستظل محدودة الاثر.
التغيير الحقيقي يتطلب تفكيك البنية التي تنتج هذا الوعي عبر تعليم نقدي يحرر العقل من الطاعة العمياء واعلام مسؤول يكف عن تسليع المرأة او حصرها في ادوار ضيقة وتشريعات واضحة لا تساوم في مبدأ العدالة لكنه يتطلب ايضا مواجهة صريحة مع الذات خاصة من قبل المثقف الذي عليه ان يسال نفسه هل انا منحاز للحق ام لمكانتي الاجتماعية.
الايمان بالتدرج لا يعني تمييع القضية كما ان الحذر من الصدام لا يعني الاستسلام غير ان التدرج يجب الا يتحول الى ذريعة لاطالة عمر الظلم فكل جيل يؤجل المواجهة يورث الجيل الذي يليه عبئا اثقل الذكورية لن تسقط لانها فكرة قديمة فقط بل لانها في جوهرها تعيق تطور المجتمع نفسه وتبدد نصف طاقته،ربما ان الاوان للاعتراف بان معركة تحرير المرأة ليست قضية نسوية فحسب بل اختبار لصدقنا كمثقفين، اما ان نكون اوفياء لقيم العدالة التي نكتب عنها او نظل اسرى خوفنا نردد خطابا مزدوجا وننتظر من غيرنا ان يدفع ثمن الشجاعة.

Social Links: