لعبة الكروش والعروش (1): القنبلة التي زرعها حافظ الأسد في عام 1979 وانفجرت اليوم

لعبة الكروش والعروش (1): القنبلة التي زرعها حافظ الأسد في عام 1979 وانفجرت اليوم


زكي الدروبي

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي السوري

زرع حافظ الأسد في سوريا العديد من البذار الخبيثة، أحدها العشوائيات التي تحيط بالمدن السورية؛ فهي ليست مجرد نتاج للفقر أو نزوح ريفي عابر، بل هي تلاعب بالقانون، وتجميد التخطيط والتنظيم العمراني وتوسيع المدن، ثم تحويل الضواحي إلى قنابل موقوتة صممت لتكون أدوات تشغل الناس عن المطالبة بحقوقهم في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولتدفعهم للسعي دوماً لإرضاء السلطة للحصول على أبسط حقوقهم في السكن القانوني.

نظرة تاريخية:
في كل مدن سوريا، كانت الأحزمة الريفية تندمج مع المدن لتصبح أجزاءً من هذه الأحياء، خصوصاً مع التوسع الاقتصادي وبناء المعامل وزيادة حجم الوظائف، ففي حمص، وبعد أن كانت “دير بعلبة” مثلاً قرية من قرى حمص، أصبحت حياً من أحياء المدينة. لكن هذا التوسع المعماري على الأراضي الزراعية لم يصحبه تخطيط عمراني من البلديات، فكان أصحاب هذه الأراضي يقومون بتخطيطها وتقسيمها إلى مقاسم للبناء، ويبيعونها على شكل أسهم، ليقوم المشتري بتسجيلها أسهماً على الشيوع في السجل العقاري، وهو بدوره يقوم بإعادة البيع إلى آخر وهكذا.

إلى أن وصلنا إلى عام 1979، حيث أصدر حافظ الأسد القانون رقم 60 الخاص بمناطق التوسع العمراني، ومن خلاله يمنح البلديات صلاحيات واسعة للاستيلاء على الأراضي بهدف التنظيم العمراني، وتأمين أراضٍ للإسكان العام، لكن البلديات تقاعست عن هذا الدور، ولم تقم بتخطيط وإفراز الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن السورية لتحويلها إلى أبنية. ولأن الحياة لا تتوقف، بدأ الناس يحاولون الالتفاف على تجميد عقاراتهم من خلال عقود عرفية، أو وكالات كاتب عدل، أو الحصول على أحكام محكمة، لكنها بقيت على الورق، ولم تنفذ في السجل العقاري لأن القانون رقم 60 يمنع هذا.

وهنا نشأت الإشكاليات القانونية، فبعض الملاك يبيعون نفس الأسهم أكثر من مرة لعدة مشترين، وبعضهم يموت وورثته لا يعترفون بالبيوع التي نفذها، وهذا خلق الأحياء المخالفة التي نمت، وتكاثرت، وتعقدت الملكيات، بعد أن كانت منظمة في السجل العقاري بشكل واضح. هذه الإشكاليات القانونية خلقت مشاكل وصراعات لا تزال تمتد حتى اليوم، فالكثير من الأحفاد اليوم لا يعترفون ببيوع أجدادهم ويرفضونها.

يمكن أن نرى في حمص نموذجين للتوسع العمراني: الأول هو نموذج “حي الغوطة” والإنشاءات والتوزيع الإجباري مثلاً، وهو يمثل ما كان يجب العمل عليه، والتي بنيت في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من خلال الجمعيات التعاونية السكنية، وليس من خلال البناء العشوائي للأفراد، وسمي حي “الغوطة” بهذا الإسم لأن بساتينه تشرف على نهر العاصي، تيمناً بغوطة دمشق، وكان جد والدي أحد المالكين لهذه البساتين وباعها أولاده. بينما نجد أن “حي الأرمن”، بدأ البناء فيه بالأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، من خلال أفراد من عائلات مسيحية أرمنية قامت بشراء حصص من أراضي زراعية على الشيوع، وقامت بالبناء عليها، ثم ما لبث أن توسع بشكل عشوائي ليبني فيه السكان المهاجرون من الأرياف الشرقية والجنوبية لحمص منازل لهم ويسكنوا فيها.

أحزمة البؤس:
لم يكن هذا الإهمال في التخطيط العمراني من قبل نظام الأسد لتوسع المدن صدفة أو تقاعساً، بل كان جريمة يخطط لها، بحيث تكون أحزمة البؤس هذه خزان دماء يدافع عن سلطته. الجميع يذكر القصص التي رواها المجندون في بداية الثورة من أن النظام أقنعهم أنهم يقاتلون ضد إسرائيل وعملائها. لقد كان الدمار في هذه الأحياء، ولم يمتد إلى أحياء الطبقة الوسطى، فقد سالت أنهار الدم في غالبيتها من فقراء أحياء البياضة والخالدية والزهراء والسبيل وغيرها، وكانوا وقوداً لمعارك الغير على الأرض السورية، ليبقى أمراء الدم في النهاية ويحكمون الفقراء وينهبوا ثروات بلادهم.

إن انحيازي مطلق لفقراء الثورة السورية، الذين خرجوا من هذه الأحياء المهمشة، متصدين بصدورهم العارية للدبابات التي حاولت قمع مظاهراتنا المطالبة بالحرية والديمقراطية، عوضاً عن نظام الاستبداد. هذه المظاهرات شهد لها العدو قبل الصديق بأنها أيقونة من أيقونات الثورات في العالم. هؤلاء الفقراء الذين دفعوا أثماناً غالية من دمائهم، ومن استقرارهم، ودمار مساكنهم، واختفاء معتقليهم في غياهب السجون، يتلقون الطعنات المستمرة في ظهورهم من قبل سلطة أحمد الشرع.

فبينما يغرق النازحون في مخيماتهم بالطين والسيول، تعقد سلطة أحمد الشرع -التي جاءت بسبب نضال وتضحيات هؤلاء الفقراء- الصفقات مع من قتلهم، فهل استشهد شبابنا لتحويل سوريا إلى غنيمة حرب يتقاسمها الشرع وإخوته وعديله وابن حماه؟ هل خرجنا ضد عائلة الأسد لنرى أمامنا حسن الدغيم يروج لحكم أسرة الشرع؟

  • Social Links:

Leave a Reply