📘 العودة إلى الذات – علي شريعتي

📘 العودة إلى الذات – علي شريعتي

ابو هشام الشرعوب



يُعد كتاب «العودة إلى الذات» للمفكر الإيراني علي شريعتي من الأعمال الفكرية التي تناقش واحدة من أعمق أزمات العالم المعاصر، وهي أزمة الهوية في المجتمعات الإسلامية وشعوب العالم الثالث. ينطلق شريعتي من سؤال جوهري: كيف يمكن للأمة أن تنهض وهي منفصلة عن جذورها الحضارية ووعيها التاريخي؟ ومن هنا يطرح مفهوم «العودة إلى الذات» بوصفه مشروعاً فكرياً يسعى إلى استعادة الوعي بالهوية الثقافية والروحية، والانطلاق منها لبناء نهضة حديثة قادرة على التفاعل مع العالم دون الذوبان فيه.
يرى المؤلف أن كثيراً من المجتمعات الشرقية فقدت ثقتها بذاتها نتيجة الصدمات الاستعمارية والتبعية الثقافية، فأصبحت تنظر إلى تاريخها وتراثها بعين الآخر. هذا الانفصال عن الذات أدى إلى حالة من الاغتراب الفكري، حيث تبنت النخب نماذج فكرية مستوردة جاهزة – سواء من الغرب الليبرالي أو من التيارات الثورية مثل الماركسية – دون فهم عميق لخصوصية المجتمع الذي تحاول إصلاحه.
ويؤكد شريعتي أن استعادة الوعي الحضاري هي الخطوة الأولى لأي مشروع نهضوي. فالذات التي يدعو إلى العودة إليها ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي مجمل التجربة التاريخية والقيمية التي كوّنت هوية المجتمع. ومن خلال فهم هذه التجربة يمكن اكتشاف القيم الحية في التراث وتحويلها إلى قوة فاعلة في الحاضر.
كما يناقش الكتاب مصير الأفكار عندما تنتقل من المجال النظري إلى الواقع الاجتماعي. فالأفكار الإصلاحية أو الثورية لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل مع بنية المجتمع الثقافية والتاريخية. ولهذا يرى المؤلف أن أي مشروع للتغيير يفقد فعاليته عندما يتجاهل الخصوصية الحضارية للمجتمع الذي يسعى إلى إصلاحه.
ويخصص شريعتي جزءاً مهماً من كتابه لنقد ظاهرتين بارزتين في العالم الثالث: التغريب الثقافي واستيراد الأيديولوجيات الجاهزة. فهو يرى أن الماركسية، رغم ما تحمله من دعوة إلى العدالة الاجتماعية، نشأت في سياق أوروبي خاص، وأن نقلها إلى مجتمعات مختلفة دون تكييف مع واقعها التاريخي يؤدي إلى تشويه فهمها للواقع. كما ينتقد التقليد الأعمى للنموذج الغربي، معتبراً أنه يخلق اغتراباً ثقافياً يفقد المجتمع قدرته على إنتاج فكره الخاص.
وفي سياق متصل، يطرح المؤلف تصوراً لدور المثقف في المجتمع، إذ يراه حاملاً للوعي التاريخي ومسؤولاً عن توجيه المجتمع نحو التغيير. فالمثقف الحقيقي – في نظره – ليس مجرد ناقل للأفكار، بل هو إنسان مرتبط بقضايا مجتمعه ويسهم في صياغة وعيه الحضاري.
كما يناقش شريعتي العلاقة بين الدين والعلم، ويرى أن الفصل الحاد بينهما أدى إلى سوء فهم لدور الإسلام في التاريخ. ويقدم الإسلام باعتباره منظومة قيمية وروحية يمكن أن تلهم مشروعاً حضارياً يجمع بين التقدم العلمي والعدالة الاجتماعية، مستحضراً تجربة الحضارة الإسلامية التي جمعت في أوجها بين المعرفة العلمية والبعد الروحي.
وفي ختام الكتاب يوضح المؤلف المعنى العملي لفكرة العودة إلى الذات، معتبراً أنها عملية فكرية وثقافية تقوم على ثلاثة أسس رئيسية:
الوعي بالهوية التاريخية والثقافية، والانفتاح الواعي على منجزات المعرفة الإنسانية، والالتزام بقيم العدالة الاجتماعية. ومن خلال هذا التوازن بين الأصالة والانفتاح يرى شريعتي إمكانية بناء مشروع حضاري مستقل يشارك في حركة التاريخ الإنساني دون أن يفقد جذوره.
✨ اقتباس معبّر من روح الكتاب:
“الأمة التي تفقد وعيها بذاتها تصبح مجرد ظلٍّ لغيرها، أما الأمة التي تكتشف ذاتها من جديد فهي التي تبدأ طريق النهضة.”
📥 رابط التحميل متاح في التعليقات.

  • Social Links:

Leave a Reply