سورية والانتقال الصعب: كيف تُبنى الدولة بعد عقود من الاستبداد؟

سورية والانتقال الصعب: كيف تُبنى الدولة بعد عقود من الاستبداد؟

أكرم الصالحة
عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري


بعد عقود من الاستبداد والقمع، تواجه سورية تحديًا غير مسبوق في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق استقرار سياسي واقتصادي. هذا المقال يستعرض الدروس المستفادة من التاريخ السوري الحديث، ويقدّم رؤية واضحة للمرحلة الانتقالية، من سلطة أحادية اللون إلى دولة مدنية مسؤولة تضمن الحرية والمساءلة وتفتح الطريق نحو مستقبل أفضل.
من الثابت في الأعراف السياسية أن المراحل الانتقالية لا تُدار بقوى حاكمة ذات أيديولوجيا أحادية تكتفي بإطلاق شعارات براقة خالية من المعالجات الجدية لقضايا المجتمع. فمثل هذه القوى غالبًا ما تسعى إلى إعادة إنتاج ذاتها والحفاظ على مصالحها الضيقة، بدلًا من الانخراط في مشروع جامع يعالج جذور الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك فإن إدارة أي مرحلة انتقالية ناجحة تتطلب قوى سياسية جامعة تعكس التعددية الطبيعية للمجتمع، وتعبّر عن تطلعاته نحو مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.
إن إدارة المرحلة الانتقالية في سورية يجب أن تقوم على مبدأ المشاركة الواسعة بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية، بما يشمل الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والنخب الفكرية والثقافية، إضافة إلى الفئات الشبابية والنسائية وسائر المكونات المجتمعية. فالمشاركة الواسعة لا تمنح العملية السياسية شرعيتها فحسب، بل تخلق أيضًا شعورًا عامًا بالمسؤولية المشتركة تجاه مستقبل الدولة، وهو عنصر حاسم في تجاوز الأزمات العميقة التي تمر بها المجتمعات الخارجة من الصراعات.
إن منع سورية من الانزلاق نحو حالة اللادولة، وإنقاذها من المساحة الرمادية الواقعة بين التصورات النظرية والواقع المتأزم، يتطلب الانتقال من سلطة أحادية اللون إلى سلطة مدنية مسؤولة تُدار وفق مبادئ الديمقراطية وتخضع للمساءلة والرقابة. فالمرحلة الانتقالية لا تعني مجرد تغيير في الأشخاص أو في شكل السلطة، بل تستلزم إعادة بناء بنية الدولة نفسها، وإصلاح مؤسساتها السياسية والإدارية بما يضمن استقلالها وكفاءتها، ويعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
ويقدم التاريخ السوري الحديث عددًا من الدروس المهمة لفهم طبيعة التحولات السياسية في البلاد. فقد شهدت سورية خلال منتصف القرن العشرين تجربة سياسية اتسمت بقدر من التعددية والحياة البرلمانية النشطة، حيث لعبت القوى الوطنية دورًا بارزًا في صياغة الحياة السياسية آنذاك. غير أن الصراعات الحزبية الحادة، وضعف المؤسسات الدستورية، وتدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، أدت إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية التي أضعفت التجربة الديمقراطية في البلاد، ومهّدت الطريق لقيام أنظمة سلطوية أنهت الحياة السياسية التعددية في البلاد.
كما شكلت تجربة الوحدة بين سورية ومصر بين عامي 1958 و1961 محطة مفصلية في التاريخ السوري المعاصر. فقد عبّرت تلك الوحدة عن طموح شعبي واسع لتحقيق مشروع قومي عربي، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن أهمية وجود مؤسسات سياسية متوازنة قادرة على إدارة التنوع السياسي والاجتماعي داخل الدولة. فغياب التوازن المؤسسي واحتكار القرار السياسي أدى في نهاية المطاف إلى تعميق التوترات الداخلية وإضعاف التجربة برمتها.
وتتجلى أخطر نتائج غياب الحياة السياسية الديمقراطية في سورية منذ الانقلاب العسكري الذي قام به الرئيس الهالك حافظ الأسد، واستمرار النظام تحت وريثه الهارب بشار الأسد. فقد أدى احتكار السلطة السياسية وإغلاق المجال العام أمام المشاركة الشعبية إلى تراكم طويل الأمد للاحتقان الاجتماعي والسياسي. ومع مرور الزمن تحولت الدولة إلى بنية سلطوية مغلقة تتركز فيها السلطة والموارد في يد دائرة ضيقة، ما أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها قدرتها على تمثيل المجتمع بكل مكوناته.
وفي ظل هذا الواقع، لم يكن اندلاع الثورة السورية سوى تعبير عن حالة اختناق سياسي واجتماعي امتدت لعقود. فقد خرج السوريون مطالبين بالحرية والكرامة وإقامة نظام سياسي يضمن حقوقهم الأساسية. غير أن مسار الأحداث سرعان ما تحول إلى صراع معقد متعدد الأبعاد نتيجة القمع العنيف الذي واجهت به السلطة تلك المطالب، إضافة إلى تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الساحة السورية.
وقد كانت الكلفة التي دفعها الشعب السوري باهظة للغاية. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية خسائر بشرية جسيمة، وتدميرًا واسعًا للبنية التحتية، وانهيارًا كبيرًا في الاقتصاد، إضافة إلى موجات هائلة من النزوح واللجوء. كما أدى تعقّد الصراع إلى تدخل قوى إقليمية ودولية متعددة، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي في البلاد وأطال أمد الأزمة.
وأفرزت هذه الظروف واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا بالغ القسوة، حيث اتسعت رقعة الفقر والجوع، وتدهورت الأوضاع المعيشية لملايين السوريين، كما تضررت البنى الإنتاجية والخدمية التي كانت تشكل ركائز الاقتصاد. وفي ظل تعدد القوى المتدخلة في الصراع، ازداد تعقيد المشهد السياسي، وتراجعت فرص الوصول إلى حلول مستقلة تنبع من الإرادة السورية.
إن هذه التجربة القاسية تؤكد أن أي مرحلة انتقالية مستقبلية في سورية لا يمكن أن تنجح ما لم تستند إلى أسس واضحة من الحرية السياسية والديمقراطية الحقيقية، وإلى بناء مؤسسات شفافة تخضع للمساءلة. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات دورية، بل هي منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات التي تضمن تداول السلطة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمساواة بين المواطنين.
كما أن نجاح عملية التحول السياسي يتطلب إطلاق حوار شامل يضم مختلف مكونات المجتمع دون إقصاء. فالحوار يمثل مدخلًا ضروريًا لتجاوز الانقسامات التي خلفتها سنوات الصراع، كما يتيح بناء توافقات جديدة حول شكل الدولة ونظامها السياسي ومستقبلها الاقتصادي والاجتماعي. إن المجتمعات التي خرجت من صراعات طويلة تحتاج إلى مساحات للحوار والمصالحة تتيح إعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
ومن جهة أخرى، فإن ترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية يشكل ركيزة أساسية لبناء دولة حديثة. فالسلطة المدنية المسؤولة لا تقوم على احتكار القرار أو غياب الرقابة، بل على وجود منظومة قانونية ومؤسسات رقابية تضمن محاسبة المسؤولين وتمنع الفساد وإساءة استخدام السلطة. إن بناء دولة القانون والمؤسسات يمثل خطوة حاسمة نحو إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة المتساوية وترسيخ الثقة بين المجتمع والدولة.
ولا يمكن فصل عملية التحول السياسي عن البعد الاقتصادي والاجتماعي. فإعادة بناء سورية تتطلب إطلاق برامج تنموية واسعة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، ولا سيما للشباب الذين دفعوا ثمن سنوات طويلة من الصراع والبطالة والهجرة. كما أن تطوير قطاعي التعليم والصحة يمثل استثمارًا أساسيًا في مستقبل المجتمع السوري وقدرته على النهوض مجددًا.
إن بناء سورية الجديدة يتطلب رؤية جامعة تتجاوز منطق الانقسام والإقصاء، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على المشاركة السياسية والتعددية واحترام التنوع الاجتماعي والثقافي. فالدولة الحديثة لا تُبنى عبر احتكار السلطة أو فرض الرأي الواحد، بل عبر التوافق والمؤسسات القوية التي تتيح إدارة الخلافات ضمن إطار ديمقراطي وسلمي.
إن المرحلة الانتقالية في سورية يجب أن تُفهم بوصفها بداية لمسار طويل من الإصلاح وإعادة البناء، لا مجرد محطة سياسية عابرة. فاستعادة الدولة السورية لدورها الطبيعي يتطلب إرادة صادقة، وتعاونًا بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية من أجل إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية تضمن الحرية والعدالة وسيادة القانون.
وعندما تتمكن سورية من ترسيخ هذه المبادئ في نظامها السياسي ومؤسساتها العامة، فإنها ستكون قادرة على فتح صفحة جديدة في تاريخها، صفحة تقوم على الاستقرار والتنمية والكرامة الإنسانية، وتعيد للدولة دورها الطبيعي في حماية مواطنيها وصون سيادتها.

  • Social Links:

Leave a Reply