لعبة الكروش والعروش (2) .. من يسرق رغيف خبز الفقراء؟

لعبة الكروش والعروش (2) .. من يسرق رغيف خبز الفقراء؟


زكي الدروبي

عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي
بينما يصارع المواطن السوري للحصول على قوت يومه ومستلزمات حياته المعيشية، ويغرق ساكنو المخيمات في سيول الشتاء، تتصاعد أعمال القتل في حمص ذات الطابع الطائفي، إذ قلما يندر يوم لا توجد فيه ضحية في أحياء معينة ذات طابع طائفي ضمن المدينة، حيث يقوم ملثمان يستقلان دراجة نارية بإطلاق الرصاص على إنسان وقتله، وتشتعل المعارك الافتراضية على السوشيال ميديا، لتصبح تبريراً وتغطية على أعمال القتل التي تهدف لإشغال الناس عن واقع الفساد والمحسوبية الذي تؤسس له سلطة أحمد الشرع في الدولة السورية الجديدة قائلين بأن الأحياء التي يسكنها العلويين بحمص بنيت على أراضي وأملاك لأهالي المدينة السنة.
إن ما يحصل اليوم لهو ثمرة بذرة خبيثة زرعها حافظ الأسد ليشغل الناس ويجعلهم في سعي دائم لرضى سلطته ومسؤوليه من أجل الحصول على حقوقهم، فأصدر القانون رقم 60 الذي جمد العقارات ومنع التنظيم العمراني وتوسع المدن بشكل علمي مدروس، ودفع باتجاه العشوائيات وأحزمة الفقر حول المدن، واليوم ترغب سلطة أحمد الشرع في أن نبقى بهذه الفوضى، منشغلين ببعضنا البعض، بينما يبقى هو مديراً لهذه الصراعات متحكماً فيها، ويبقى هو سيد الموقف ونحن من نلجأ إليه دائماً.

إضافة لكل ما سبق، فإن عمليات الترهيب عبر القتل ذو الطابع الطائفي ليست مجرد تنفيس عن أحقاد قديمة، بل هو أداة ممنهجة لدفع السكان إلى الهجرة القسرية، هذا ما هو واضح بشدة من خلال الأحاديث التي تتداول بين قسم من ساكني مدينة حمص، وقد يكون هؤلاء يعبرون عن أحقاد قديمة، أو أفكار أيديولوجية، لكن قد يكون هناك ما هو أخطر من هذا، وهو القتل الطائفي بدافع الاستغلال من قبل حيتان الفساد والمال، فبهذا العمل يتم تصنيف هذه الأحياء على أنها غير آمنة، وبالتالي ينخفض سعر العقار فيها، ويجبر الناس على بيع عقاراتهم بحثا عن الأمان بأبخس الأثمان، وما يحصل اليوم في مدينة حمص يشبه ما حصل سابقا في قرى ريف حماه، حيث تم تهجير سكان عدد من القرى العلوية، لتقوم شركة اكتفاء الحكومية والتي يرأسها السيد باسل سويدان باستثمار هذه الأراضي بعيدا عن أصحابها.
للمفارقة فقد شغل السيد سويدان عدة مناصب متناقضة قبل أن يتركها جميعا تحت ضغط الرأي العام ويكتفي برئاسته للجنة الكسب غير المشروع، فهو بنفس الوقت عضوا في الصندوق السيادي لقطاع الزراعة، وعضوا في لجنة الاستيراد والتصدير، ورئيسا للجنة الكسب غير المشروع، ونائبا لوزير الزراعة. أي أصبح هو الخصم والحكم بنفس الوقت، والمستفيد الأول من شقاء الفقراء وتهجيرهم.
الأرقام والتعيينات:
عندما نرى موظفاً خدم الناس يعلم أولادهم ويداوي مرضاهم لعشرين سنة، ويحمل شهادة جامعية، ويتقاضى مليوناً ونصف الليرة السورية راتباً شهرياً، في مقابل موظف يحمل شهادة معهد، وخبرته لا تزيد عن ثلاث أو أربع سنوات، ويتقاضى راتباً شهرياً مقداره مليون وثمانمائة ألف ليرة سورية، فقط لأنه من أعضاء هيئة تحرير الشام، فاعلم عزيزي الفقير أننا أمام حزب البعث الجديد.
عندما نرى برلمانياً يفترض به مراقبة السلطة، لكنه يروج لأن منتقدي السلطة هم أصحاب منافع، فاعلم عزيزي الفقير أن السلطة تشكل جيشاً من المنتفعين الذين يدافعون عنها باستماتة إن طالبتها بحقوقك المهدورة، دفاعاً عن مصالحهم وليس إيماناً بالمبدأ.
عندما ترى أنك كافحت ودرست وتعلمت، وترى الرتب العسكرية والوظائف توزع كهدايا طهور الولد، فترى أحمد سويدان يجلس في ثلاثة مناصب، وأحمد الدالاتي يصبح عميداً ويكون محافظاً للقنيطرة، ورئيساً للأمن الداخلي في ريف دمشق بآن واحد، فاعلم عزيزي الفقير أن السلطة ترى في سوريا غنيمة حرب، وتوزع مؤسساتها إقطاعات على مواليها وكأننا عدنا لزمن الآغوات والإقطاعيين.
عندما تهدر الأموال الطائلة وببذخ شديد في ترميم مبنى فرع الحزب القديم ليتحول إلى مديرية لأوقاف حمص، بدلاً من تحويله إلى مشفى يعالج جراح مصابي المعارك التي طردت الأسد من سوريا، وترى موكباً من عشرات السيارات يرافق وزير الأوقاف، ثمن بنزين كل سيارة منها يطعم عشر عوائل، وثمن كل سيارة منها يبني عشرة بيوت، فاعلم عزيزي الفقير أنك أمام “لعبة الكروش والعروش”.
سرقة ونهب باسم القانون وتحت غطاء شعارات “من يحرر يقرر”، شعب جائع وكروش السلطة تكبر وكراسيها تصبح أفخم و”أقدامها الثقيلة” تدعس على رقابكم كما كانت أقدام نظام الأسد المجرم.
لقد خرجنا على الأسد لنطالب بالحرية من الاستبداد، لأننا نرفض تحويل سوريا إلى مزرعة الأسد، ولأننا نريد العدالة، ولم نخرج لتأتي عائلة أخرى تحكمنا وتنهب ما تبقى من خيرات وطننا، وتشغلنا في معارك جانبية.

لعبة الاستحمار:
إن السؤال الأبرز الذي يجب أن نفكر فيه جميعاً: لماذا نستحمر؟
لماذا تشغلنا السلطة بصراعات جانبية، طائفية وقومية ومناطقية، تخدم كروش أصحاب السلطة، وتسمح لهم بتحويل كراسي الوظيفة إلى عروش تورث؟!
إن المصالحة الوطنية الحقيقية، والتعايش، لا يكون من خلال “بوسة شوارب”، بل من خلال عدالة انتقالية تحاسب المجرمين الذين تغولوا بدماء الشعب السوري، وقادة الميليشيات أمراء الحرب، ورجال الأعمال الذين مولوا هذه الجرائم وسرقوا بيوتنا وأرزاقنا، تعيد الحقوق لأصحابها بقوة القانون، لا من خلال “عدالة الرصيف”.
هذا الفعل (الترهيب بهدف التهجير وسرقة الأملاك بأبسخ الأثمان) لن يتوقف بالتأكيد عند أملاك العلويين، بل سيمتد إلى الجميع آجلا أم عاجلا، إن لم يقف الجميع أمام مسؤولياته، ويضع حدا لهذه الجرائم، على الأقل من خلال العزل الاجتماعي، ألا نبرر ونصفق للقتلة، فأنا نفسي كاتب هذه الكلمات ضحية استيلاء بقوة السلاح على أرضي، عندما أتى المحررون من الشمال، وأرسلوا لعائلتي بأن الاقتراب من أرضكم بهذه القرية يعني أنكم ستدفنون بها ولن تعودون أحياء إلى مدينة حمص.
لنتوقف عن كوننا وقوداً للسلطة، أي سلطة، ولنبدأ في التركيز على عدونا الحقيقي: الفساد والمحسوبية والتعيينات العائلية.
إنها سوريا العظيمة، وليست مزرعة الأسد أو الشرع.

  • Social Links:

Leave a Reply