فوزية العليوي
مقالة الصباح احببت ان انشره في الرافد للفائدة الجمعية.
المقال لزميلي ابن العراق الاصيل، الدكتور الاستاذ عماد الصباغ، الذي اعرفه منذ اوخر سبعينات القرن الماضي، من خلال العمل المشترك لخدمة قضايا امتنا العربية، من خلال نشاطات منظمة الطلبة العرب في امريكا الشماليه (الولايات المتحدة وكندا).
“حين يصبح البقاء أخطر من السقوط”
أ.د. عماد عبدالوهاب الصباغ
حتى هذه اللحظة، لا يبدو النظام الإيراني متجهاً إلى سقوط سريع، كما يتمنى خصومه أو يتوقع بعض المتحمسين لنهاية وشيكة للجمهورية الإسلامية. لكن الخطأ الأكبر يكمن في قراءة الصمود بوصفه انتصاراً. فليس كل نظام ينجو من الحرب يخرج منها أقوى؛ أحياناً يكون البقاء نفسه بداية الانحدار البطيء.
إيران اليوم تقف في منطقة رمادية خطيرة: ليست منهارة، لكنها لم تعد قادرة على العودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب. إنها لحظة تاريخية لا تُسقط الأنظمة فوراً، بل تعيد تشكيلها بطريقة تجعل استمرارها أكثر كلفة من سقوطها. و النظام الإيراني لم يكن يوماً دولة تقليدية، بل منظومة أمنية ـ عقائدية متشابكة، تعلمت منذ الحرب العراقية–الإيرانية كيف تعيش تحت الضغط. و العقوبات، و العزلة، و الاحتجاجات، و الاغتيالات، و كلها تحولت مع الزمن إلى جزء من بيئة التشغيل الطبيعية للنظام. لذلك فإن توقع انهيار سريع يشبه سوء فهم لطبيعة هذا النوع من الأنظمة: فهي لا تنهار عندما تُحاصر، بل عندما تتصلّب أكثر مما ينبغي. و هنا تحديداً تكمن المشكلة.
الحروب لا تقتل الأنظمة دائماً؛ لكنها تدفعها إلى الاحتماء بالمؤسسة الوحيدة التي تملك أدوات البقاء: المؤسسة الأمنية. و في الحالة الإيرانية، يعني ذلك شيئاً واحداً واضحاً: صعود الحرس الثوري من لاعب قوي داخل الدولة إلى الدولة نفسها. فكلما طال الصراع، تقلصت السياسة و اتسعت الجغرافيا الأمنية. و كلما ارتفع منسوب التهديد الخارجي، أصبح الاختلاف الداخلي شبهة، و المعارضة خطراً وجودياً، و النقد فعلاً غير وطني. و هكذا يتحول النظام تدريجياً من مشروع ثوري يمتلك هامش حركة سياسية إلى بنية أمنية تخشى حتى الهواء المتغير حولها. و المفارقة القاسية أن النظام قد ينجح في النجاة من أعدائه في الخارج، لكنه يبدأ بخسارة أهم شروط بقائه في الداخل: المرونة.
فالأنظمة لا تسقط عادة بسبب الضربات الخارجية وحدها، بل عندما تفقد قدرتها على التكيّف. و عندما تصبح كل أزمة مؤامرة، و كل اعتراض تهديداً، و كل إصلاح مخاطرة أمنية، يدخل النظام مرحلة الانكماش الدفاعي — و هي أخطر مراحل العمر السياسي لأي سلطة.
إيران ما بعد هذه الحرب، على الأرجح، ستكون أكثر اعتماداً على الحرس الثوري، و أقل سعة للسياسة، و أشد حساسية تجاه المجتمع، و أكثر ميلاً إلى إدارة الدولة بعقلية الحصار الدائم. و قد يبدو ذلك وصفة للاستقرار، لكنه في الحقيقة وصفة للاستنزاف الطويل. فالخوف قد يحمي النظام مؤقتاً، لكنه يستهلك شرعيته ببطء. و الأمن قد يفرض الصمت، لكنه لا ينتج رضاً. و الدولة التي تعيش في حالة تعبئة دائمة تتحول مع الزمن إلى دولة تخشى مواطنيها أكثر مما تخشى خصومها.
هنا تحديداً يصبح البقاء أخطر من السقوط.
لأن السقوط حدثٌ مفاجئ يمكن فهمه، أما البقاء المتصلّب فهو عملية تآكل صامتة لا يشعر بها النظام إلا بعد فوات الأوان. و حين تصل الأنظمة إلى هذه المرحلة، لا تنهار دفعة واحدة؛ بل تفقد قدرتها على المستقبل تدريجياً، حتى يصبح أي اهتزاز صغير كافياً لإسقاط ما بدا يوماً عصياً على السقوط. هذا يعني ان الجمهورية الإسلامية قد لا تسقط قريباً. لكن الاحتمال الأكثر تشاؤماً — و ربما الأكثر واقعية — أنها ستبقى، فقط لتكتشف أن الحرب التي لم تُسقطها قد غيّرت الشروط التي سمحت لها بالبقاء أصلاً.
و هذه، في التاريخ السياسي، ليست نهاية انتصارات بل بداية العد التنازلي.”

Social Links: