سمير سعيفان
أود أن أوضح أولًا موقفي أنني اتجنب عادة الكتابة في قضايا دينية، فهذا ليس مجالي، ولكن قرار منع تقديم الخمور وتقييد تداولها فيه اعتداء على الحريات الشخصية والعامة، وأنا من هذا المنطلق مع حرية تقديمها وتصنيعها وتناولها ضمن قيود متبعه في البلدان المتقدمة، وليس من منطق ديني، فنحن في القرن العشرين ولسنا في العصور الوسطى.
لقد رأيت أن أوضح نقطة لعلها غائبة عن كثير من المسلمين وغير المسمين. إذ تكمن مشكلة الخمر في المجتمعات الإسلامية، في الفارق الكبير بين المسيحية والإسلام في النظر إلى الخمر والموقف منه، فحين يعد تناول الخمر جزء رئيس من العقيدة المسيحية، اتخذ الإسلام موقفًا متدرجًا من الخمر، يبدأ بالثناء عليه، وينتهي بالدعوة إلى تجنبه، فقد ورد في القرآن الكريم:
• “وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” سورة النحل (67)
• “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا” سورة البقرة (219)
• “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ” سورة النساء (34)
• “إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” سورة المائدة (90)
وبينما يعد بعض علماء المسلمين أن التجنب هو نصح ولا يوجد نص يحرم الخمر، ولا توجد عقوبة بدنية محددة (حد) لشارب الخمر في القرآن الكريم، يرى آخرون أن التجنب أشد من التحريم، ويضرب المثل بما قاله مالك في الخمر،. ولكن السائد في المجتمع هو اعتبار شرب الخمر من الكبائر.
بينما في المسيحية، الخمر جزء رئيس من الطقوس المسيحية، فالقربان في الكنيسة في كل أحد يتكون من خمر “نبيذ أحمر” وخبز، وبدون ذلك لا يتكمل الإيمان المسيحي، ففي العشاء الأخير، وهو آخر عشاء تناوله يسوع المسيح مع تلامذته الإثني عشر، قبل اعتقاله وصلبه، وبحسب إنجيل متى، الإصحاح السادس والعشرون “26 وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا. هذا هو جسدي 27، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلًا: اشربوا منها كلكم، 28 لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. 29 وأقول لكم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي” وهو جزء رئيس في العقيدة المسيحية تأسيسًا لسر القربان المقدس (الأفخاريستا).
لا أود الدخول في أي نقاش ديني، كما يرغب البعض، فالأديان تقبل كما هي دون نقاش، والأهم هو أن المسيحية دين سوري، وقد صدرته سوريا إلى العالم، وهو الدين الأكبر في العالم اليوم، وهذا مصدر اعتزاز كل سوري.
لم يشكل هذا الموضوع مشكلة اجتماعية في العصر الأموي، الذي يفتخر منتسبو السلطة العالية به، فقد بقي تصنيع الخمر وتداوله وشربه متاحًا بحرية طيلة أيام الأمويين وما تلاه أيام العباسيين، فخلال ال 300 سنة الأولى التي تلت الفتح العربي لسورية بقي معظم سكان سورية والعراق مسيحيون، ولم يرغمهم أحد على اعتناق الإسلام. وقد كان الخمر حاضرًا في بلاط الخلفاء الأمويين والعباسيين، فالأمة في صعودها (العصرين الأموي والعباسي الأول) تكون أكثر تحررًا، وفي أزمان انحدارها تتشدد وتتمسك بالقشور، ثم بقي تناول الخمور متاحٌ أيضًا لغير المسلمين طيلة تلك العصور، وإن كان ببعض التقييد. أما في القرن 21 فمنع تقديم الخمور أكثر من مستغرب.
وأستغرب مع كثير من الناس هذه المبالغة في موقف الكثير من المسلمين (وليس الإسلام) من تناول الخمور، ومن التشدد في موضوع الخمور، حتى باتت الصورة في أذهان الكثيرين، وكأن الإسلام ليس أكثر من الالتزام بعدم تناول الخمور والتزام حجاب المرأة أو نقابها، بينما الإسلام أوسع وأسمى من ذلك بكثير،
والإسلام، كما شرح لي العديد من أصدقائي، ولست متبحرًا في ذلك، يتشكل من عبادات ومعاملات، وهو بذلك يشبه بقية الأديان، وأن العبادات صلاة وصوم وحج وعمرة، هي أمور تخص الفرد المتعبد وحده، بما في ذلك شرب الخمر والحجاب، وهي بينه وبين ربه يحاسبه عليها، بينما المعاملات أمر يخص الأفراد الآخرين ويخص المجتمع مثل الكذب والسرقة وغش البضاعة والميزان والاحتكار وشهادة الزور وأكل مال الضعيف وتأدية الأمانة وإتقان العمل والاعتداء على المصالح المشتركة وأخذ الرشى وسداد الضرائب وغيرها الكثير.
بينما نرى أفراد المجتمع يتغافلون عن كل هذه الممارسات الفاسدة، ويغمضون العين عن مرتكبيها، فإنهم يدعون لنبذ شارب الخمر ومعاقبته. وهذا موروث من عصور الانحطاط يوم ضعفت الدولة العربية وسيطر عليها المماليك وبما يتصفون به من تشدد أعمى وظلم واستبداد وتخلف.
مرة أخرى، في سوريا قضايا كثيرة متراكمة كل منها أكبر من جبل، لها أولوية على مسألة تناول الخمور، ولا يوجد ما يوجب منع تقديمها وبيعها.

Social Links: