الثورة التي تأكل أبناءها!

الثورة التي تأكل أبناءها!

خالد قنوت

لم يستفزني النيل من ثورة السوريين عام 2011 وثوارها الأحرار من قبل قطعان الموالين للنظام الأسدي المجرم طوال أربع عشرة سنة فهذا سياق منطقي لطبيعة عبادة الفرد ورفض الآخر المختلف والحكومات التوتاليتارية العسكرية, لكن لا يمكن أن أخفي مشاعر دفينة من الحنق على جماهير الكنبة الرماديين الذين ساهموا بصمتهم في استمرار المقتلة الأسدية لشركائهم في الوطن.

بعد سقوط نظام العار الأسدي ووصول السيد أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام إلى دمشق بتوافقيات دولية لم يستطع السيد الشرع نكرانها, لا بل يعتبرها انتصاراً استراتيجياً, لم يعرف الشعب السوري حتى هذه اللحظة ما ثمن ذاك الانتصار, بعد ذاك السقوط (الذي توقعت تفاصيله في السنة الثانية للثورة) يحز في قلبي أن العديد من السوريين الذين عملنا معاً في التنسيقيات وفي المجموعات الثورية وفي المنظمات الإغاثية والطبية التي قدمنا من خلالها كل ما قدرنا عليه من مساعدات مادية وعينية ودعم سياسي في مغترباتنا, إضافة لكل مشاركاتنا الأسبوعية بتظاهرات رفعنا فيها علم الثورة السورية ومثلنا للمجتمعات الأجنبية التي نعيش فيها مشاهد من مظاهرات أهلنا في الداخل وأطلقنا شعاراتهم في الحرية والكرامة وبناء دولة المواطنة, وكتبنا على أعلام الثورة كلمة “حرية” بكل اللغات, وحاولنا قدر استطاعتنا أن نكشف للمجتمعات الغربية وحكوماتها وبرلمانييها هول مجازر الأسد وتدميره للحياة الإنسانية ولكن لم نتوقف عند النظام الأسدي بل سلطنا الأضواء على مجازر قامت بها مجموعات إرهابية متطرفة اتخذت من الدين غطاءً لتدمير الجيش الحر وقتل كوادر الثورة والاستيلاء على المساعدات التي كانت تصل إلى المخيمات.

.

منذ سقوط النظام, العديد من شركائنا في الثورة انقلبوا على شعارات الثورة ومبادئها في الحرية والعدالة والحريات الفردية, وقيام الدولة الوطنية وحيادها أمام الجميع وأحقية السوريين في العمل السياسي, لا بل أنهم صاروا نسخاً بالغة الجفاء والخواء لموالي النظام البائد, وصارت السلطة المؤقتة بديلاً لنظام الأسد في الدفاع عنها وعن شخصياتها الذين أجمعنا طوال سنين الثورة على أنهم الوجه الآخر لنظام الأسد في قتل السوريين وسحق الثورة والثوار, وصارت الحرية مرتبطة بطائفة السلطة الإقصائية, وتحول مفهوم الدولة الوطنية من سورية الأسد إلى سلطة هيئة تحرير الشام, وصار الأسد شرعاً وربما أكثر…

نعم, الثورة تأكل أبناءها عندما تُؤكل الثورة بالانتماء الطائفي, وبتعميم الشعبوية والانتقام دون عدالة, وبالمصالح الضيقة, وبالاكتفاء بفتات حيتان السلطة الجديدة المتحالفة حتماً مع حيتان النظام الأسدي المجرم.

الثورة التي سُحقت بعد سنتين من تأججها في ربيع 2011, لم تفقد فكرها ووعيها وبريقها وجمرها الساكن في قلوبنا, وسيستعيدها أحرار سورية, شابات وشباب تعلمت من تجاربنا ومن تجاربهم خلال أربع عشرة سنة, وأدركت أن الوعي قبل الثورة, وأن العلم و المعرفة والسلمية هي أكثر الأسلحة فتكاً بالاستبداد والأنظمة الثيوقراطية المتخلفة, وأنها أكثر الطرق الإنسانية نجاعةً لتحقيق شعارات ومبادئ ثورة 2011.

الاحتجاج, الاعتصام, التظاهر, الإضراب وحتى العصيان المدني كلها أشكال مدنية سلمية من حق كل السوريين, وواجب على كل من يؤمن بثورة 2011 الأولى, وأن الخلاص من الاستبداد البائد واللاحق قدري في سورية, وإلا فجميعنا نسعى بصمتنا وبلامبالاتنا إلى الهاوية, ناهيك عن وضاعة قطعان كانوا بالأمس شبيحة وصاروا اليوم طبولاً, وعن رفاق الثورة الذين انقلبوا عليها بما يمارسونه اليوم من قمع فكري وتخوين وإساءة شخصية لمن لا يشاركهم حظيرة العبودية الجديدة.

طوبى للأحرار السوريين في كل المحافظات السورية, ولتكن مناسبة الجلاء اليوم تجديداً لثورتكم الوطنية السلمية الأولى, ولآمال شهدائكم في الحرية والعدالة والمواطنة, وأحلامكم في الحياة والأمان تحت ظل القانون الوطني الحضاري, وسعياً لهدف الديمقراطية.

  • Social Links:

Leave a Reply