د شهد صالحة
العتبة
لماذا اغتيال ابن الكار: جدليّة الهويّة والانتهاك (المحاولة الأولى للتّجسيد) يمثّل «ابن الكار» في الوجدان السّوريّ الرّمزيّة الأسمى للإنسان المستقلّ؛ هو الصّانع الّذي لا يشتقّ وجوده من هبات السّلطة، بل من رسوخ المعرفة في يديه وكدّ يمين يمنحه سيادة أخلاقيّة ومادّيّة. إنّ «الكار» هنا ليس مجرّد حرفة، بل هو «الجسد المعرفيّ» الّذي راكمته الشّخصيّة السّوريّة عبر القرون ليتحوّل إلى حصن ضدّ التّطويع، وإنسان يأكل من تعبه ليبني وجوده.
لكنّ هذا الوجود تعرّض لعمليّة اغتيال ممنهجة، لم تستهدف إزاحة الشّخص فحسب، بل هدفت إلى تجريف القيمة الّتي يمثّلها، وتحويله من إنسان منتج سيّد لنفسه، إلى كائن مستلب يقتلع من جذوره المهنيّة والحضاريّة ليلقى به في مهاوي الارتهان والتّبعيّة.
تتجسّد تراجيديا هذا الاغتيال في تحالف «ثالوث الاستبداد» المعقّد الّذي أحكم قبضته على الوعي السّوريّ؛ حيث تآزر الاستبداد السّياسيّ بآلته القمعيّة مع الاستبداد الدّينيّ بسطوته الأيديولوجيّة، ليعملا بمعيّة الاستعمار كقوى متظافرة لا تكتفي بانتهاك الجغرافيا، بل تنتهك «الجسد المعرفيّ» للإنسان السّوريّ.
هذا التّحالف الثّلاثيّ هو الّذي شرعن غياب الدّستور وصمت المجتمع عن تعيينات أمراء الفصائل، بعد أن فكّكت البنية المعرفيّة الّتي كانت تميّز بين «الفاتح» و «المستبدّ»، وبين «البناء» و «الارتهان» لقد تمّ اغتيال «ابن الكار» لكي يحلّ محلّه «التّابع» الّذي لا يملك من أمره شيئا أمام سلطة السّلاح أو الفتوى.
إنّ هذا الطّرح يمثّل المحاولة الأولى لتجسيد هذا الانهيار الوجوديّ، حيث يحاول الكتاب تفنيد آليّات هذا الانتهاك الثّلاثيّ، وكشف كيف تمّ تحويل السّوريّ من «سيّد لصنعته» ومالك لقراره، إلى رقم تائه في معادلات القوى الدّوليّة والأيديولوجيّات العابرة للحدود. إنّ جدليّة «اغتيال ابن الكار» هي في جوهرها تفسير لكيفيّة تحوّل الاستبداد إلى أمر واقع، وهي دعوة لاستعادة الوعي بالذّات السّوريّة السّليبة. ولأنّ هذا التّجسيد هو خطوة أولى، فستتبعه طروحات أكثر عمقا وتفصيلا لتفكيك كلّ زاوية من زوايا هذا الثّالوث الّذي حاول وأد الإنسان السّوريّ المنتج.
الدكتورة شهد موفق صالحة
بريطانيا 2026

Social Links: